محمود فوزي السيد يكتب: Supernova كايروكي.. رحلة ترسيخ الهوية
اقرأ أيضا: بعد أيام من الأجواء الحارة.. الأرصاد تكشف مفاجأة الـ5 أيام المقبلة
ما أجمل أن تعيش لحظة نجاح تجربة كانت تشبه في البدايات حلماً مستحيلاً، معركة خاضها مجموعة شباب آمنوا بأنفسهم وبقدرتهم على التغيير وفرض أسلوبهم الموسيقي، واجهوا خلالها كل الإحباطات الممكنة من نقد أحياناً وهجوم شرس أحياناً أخرى، لكنهم أبداً لم يستسلموا لحالة الرفض التي عانوا منها طويلاً، قرروا أن يلقوا بحجر في مياه الموسيقى الراكدة. التمرّد على قوالب موسيقية ومفردات غنائية وموضوعات سيطرت على الغناء لسنوات طويلة، لم يدّعي أيٌّ منهم من قبل أن مشروعهم الموسيقي جاء لتهديد عرش الآخرين. كل ما بحثوا عنه مجرد فرصة للبحث عن هوية خاصة بهم وبما يقدمون، هوية ظل البعض يسخر منها طويلاً، ويتّهمها بـ«الجنون» أحياناً، لكنهم بأغنية تلو الأخرى وألبوم بعد الآخر ظلوا متمسكين بتلك الهوية، يضعون يوماً بعد الآخر حجراً جديداً في جدار ضخم يحمي مشروعهم وهويتهم الموسيقية، لم يتنازلوا يوماً عن تلك الهوية، لم تضعف قواهم -رغم محاولات الإحباط- بل تمسّكوا بحلم كانوا على يقين من تحقيقه حتى وصلوا اليوم في ألبومهم الجديد Supernova إلى منتصف الطريق من الإنكار إلى الوجود، بالتأكيد هو منتصف الطريق، فما زال أمامهم الكثير من التحديات بعدما تحول فريق «كايروكي» من تلك الفرقة الشابة الباحثة عن هوية، إلى فرقة موسيقية لها مكانتها وأسلوبها ولغتها ومفرداتها التي وجد فيها الشباب ملاذاً للتعبير عنهم، وبالتالي فالتحدي الآن أكبر عن ذي قبل، هم الآن يعيشون مرحلة انتصار الهوية مقابل الرفض، وهو ما يزيد حجم المسئولية تجاه مشروعهم الموسيقي أولاً، وجمهور آمن بفكرهم وأعطاهم من الثقة ما بخل بها على كثيرين غيرهم.
في تجربتهم الجديدة Supernova «التي تعني انفجار النجم في نهاية عمره، محدثاً طاقة هائلة في الكون»، يعزف فريق كايروكي على وتر الحنين، يستحضر تفاصيل صغيرة من فترة الثمانينات، ظهر ذلك بوضوح في الفيلم القصير الذي استعانوا فيه بالإعلامي محمود سعد والفنان محمود عزب، على مستوى الديكورات والملابس والحالة العامة المميزة لتلك الفترة الثرية بكل تفاصيلها، ليصنعوا منه رحلة إنسانية وليس مجرد مجموعة أغنيات متراصة خلف بعضها مكونة ألبوماً غنائياً بلا هوية، محاولات لسرد قصص وحالات إنسانية يعيشها الإنسان مع نفسه، رحلة غير مضمونة العواقب أو النجاح، هم أنفسهم أكدوا أن ما يقدمونه في الألبوم مشاعر إنسانية ليس شرطاً أن يحبها الجميع، استعانوا فيها بحكايات وتفاصيل إنسانية بسيطة، الحديث عن الزمن والخوف والأحلام الضائعة والحنين والاعتراف بأن الإنسان لا يمكن أن يقف في الطرف نفسه من الحياة طول العمر، فكانت النتيجة ألبوماً يمثل رحلة إنسان وصل إلى منتصف العمر يقف ليحكي بحنين عما فات من عمر وأحلام وأشخاص.
ليس الهدف من الألبوم ولا مشروع كايروكي الموسيقي بشكل عام أن يداعب أذن المستمع، أو أن يجبره على التمايل والرقص على نغماته -تلك الوظيفة يؤديها عشرات المطربين الآخرين- لذلك إن كنت تبحث عن تلك الحالة من المتعة فلن تجدها في الألبوم، لأنه لا يحمل إلا قصصاً وحالات إنسانية تصل أحياناً إلى أن يسردها «أمير عيد» بطريقة السرد الشعري، فتجده أحياناً لا يغني، بل يتكلم فقط بمصاحبة الموسيقى.. فالألبوم موسيقياً يغلب عليه الشكل الموسيقي الذي قدّمت به الفرقة نفسها منذ البدايات، وهو Alternative Rock مع المزج ببعض الألوان الموسيقية الأخرى من حين إلى آخر، لذلك تجد دائماً البطولة في كل الأغنيات لآلات «الدرامز والجيتار الكهربائي والباص جيتار»، مع دخول موسيقى شرقية في الأغنيات ذات الطابع الشعبي في الألبوم، مثل «تاتا تاتا» و«حاسب حاسب».
تبدأ الرحلة كما رسمها الفريق بأغنية «نسينا»، أغنية أعتبرها استهلالية للتعريف بهوية الألبوم، حديث عن الذكريات والزمن، والتأكيد أن الطابع المختار للألبوم يختلف عن فكرة التعبير فقط عن الشباب وقضاياهم التي اتبعها الفريق منذ البدايات بقدر التعبير عن فئة تقف في منتصف الطريق.. وهي تقريباً الفكرة نفسها التي اعتمدها الفريق في أغنية «أنا باكبر» التي أراها أكثر نموذج معبر عن فكرة الحديث عن الزمن وصندوق الذكريات والنظر إلى الخلف، لكن بوجهة نظر مختلفة، وهي التأكيد على أن الإنسان يُمكن أن يحاول كثيراً أن يعيش في الماضي، لكن الحقيقة أنه مضطر لقبول فكرة «أنه بيكبر».
بعدها يستكمل أمير عيد وكايروكي الرحلة برفض العالم الحقيقي وتمني العيش في عالم آخر ربما يبتدعه الخيال أحياناً، وذلك في أغنية «ما تيجي» التي تُعد أحد أبرز النماذج على الهوية الموسيقية لكايروكي، لذلك كانت هي الأقرب لجمهور الفريق، لأنها لا تبدو مختلفة ولا بعيدة عن مشروعهم، ولم يشعر جمهورهم بغربة تجاهها، لا من ناحية الكلمات ولا الشكل الموسيقي.. لذلك اعتبرها الكثير من الشباب أفضل أغنيات الألبوم.
ورغم أن رحلة الألبوم تسير في نسق واحد، كما أشرنا في البداية، فإن أمير عيد ورفاقه يسعون دائماً إلى التأكيد على قدرتهم على التنوع وصناعة أغنيات «شعبوية» تخاطب فئات أوسع من الجمهور، وهي منطقة اعتادوا تقديمها مؤخراً في أعمالهم، خاصة أنها تناقش قضايا إنسانية، لكن بشكل مختلف وموسيقى أيضاً مختلفة عن الإطار الموسيقي للفريق، فتجد في الألبوم أغنيتين متتاليتين لتحقيق هذا الهدف، وهما «تاتا تاتا»، التي بمجرد الاستماع إليها تتذكر على الفور أغنية «يا أبيض يا أسود» التي حقّقت نجاحاً كبيراً وقت طرحها، وهي أغنية توضّح قدرة أمير عيد وكايروكي على صناعة أغنية «تركب الترند» بمعطيات الزمن الحالي، الأغنية كعادة الفريق تحمل كلمات جريئة وتنتقد أفعال البعض، مصحوبة بإيقاع «المقسوم» الذي يعطيها لمحة شعبية.. وهو الأمر نفسه في أغنية «حاسب حاسب»، وهي أغنية شعبية كاملة الأركان، سواء في إيقاعها المقسوم «القاعد»، وكذلك موضوعها ومفرداتها، بجانب طريقة أداء أمير عيد لها والأقرب لطريقة المطربين الشعبيين بشكل كبير، أيضاً تتذكر بمجرد سماعها أغنية «الكيف»، التي قدّمها أمير من قبل مع المطرب الشعبي طارق الشيخ.
اقرأ أيضا: زمالك 2007 يفتتح الدوري بالفوز على وادي دجلة بثلاثية
يعود الفريق بعد ذلك إلى الرومانسية، لكن على طريقة كايروكي من خلال أغنية «مت ليه»، وتبدو فيها محاولة جيّدة من الفريق لتوسيع مساحته الموسيقية وعدم الاكتفاء فقط بالشكل المعتاد في أغنياته، لكن ربما تلك النوعية من الأغنيات ليست هي المفضّلة عند جمهور الفريق، لذلك لن تجد الأغنية في قائمة أكثر الأغاني المفضّلة عند الجمهور بين أغنيات الألبوم.. بعدها يعود الفريق لهوية الألبوم في أغنية «ألف مرايا»، وهي حديث افتراضي لشخص مع نفسه يتصور فيها أنه يعيش بألف نسخة من إنسان واحد، يتحدّث عن أفعال مختلفة وكأنه ينظر إلى ألف مرآة تحكي عنه ألف حكاية في الوقت نفسه، وهي بالمناسبة حالة تنتاب الكثير من الأشخاص بعد سن الأربعين تحديداً عندما يكتشف أنه أصبح يُمثل لنفسه ألف حكاية، باسترجاع شريط ذكرياته.. الأغنية تحمل طابعاً فلسفياً عن علاقة الإنسان بنفسه، وهي حالة كثيراً ما تصيب البعض كما ذكرت، فكان اختيار كايروكي لها من منطلق استكمال رحلة الألبوم المليء بالفضفضة والذكريات.
وبالمنطق نفسه جاءت أغنية «وحدي» التي تُعد هي الأخرى مع «ما تيجي» من أكثر الأغاني انسجاماً مع الفكرة العامة للألبوم، سواء في الموضوع أو الموسيقى المميزة للفريق، هي حالة إنسانية أخرى ربما لا يعيشها الشباب في مقتبل العمر، بينما ترتبط بشكل أكبر بمنتصف العمر أو بعده قليلاً، فالوحدة هنا ليس المقصود منها التعريف اللغوي للكلمة، بقدر ما هي تعبير عن شعور إنساني ينتاب الشخص من وقت إلى آخر.
وبشكل يبدو أنه تم التخطيط له بشكل خاص، يكتب أمير عيد وفريق كايروكي كلمة النهاية للرحلة التي عاشها المستمع طوال أحداث الألبوم، لكن تلك النهاية كانت من خلال أغنيتين متتاليتين هما «في الختام» و«أنا فاضل» اللتان أراهما من بين الأجمل في الألبوم، لقدرتهما على التعبير بشكل كبير عن روح وهوية الرحلة، وأكثر ما تتميز به هاتان الأغنيتان هو طريقة أداء أمير عيد لهما والمختلفة تماماً عن أدائه لكل أغنيات الألبوم، وهي الطريقة التي أشرنا إليها في البداية واعتماده على أسلوب السرد وكأنه يتكلم ليحكي قصته وليس مطرباً مؤدياً للأغنية فقط، كما كان لظهور شخصية «الطبيب النفسي» الذي يجري حواراً مع مريضه تأثير على إبراز موضوع الأغنية بشكل مثالي، وكأن نهاية الرحلة كانت بحوار بينه وبين الطبيب الذي استمع منه إلى شكواه في كل الأغنيات السابقة، لكن الغريب أنه رغم طول الوقت في الحكي لم يجد الراحة التي بحث عنها، لتظل الأسئلة التي طرحها جميعها في انتظار الإجابة المؤجلة، وهو ما دار في الحوار بينهما: «مش حاسس إنك أحسن من آخر مرة تيجي لي» ليرد عليه: «مش حاسس أصلاً حاجة على إيدك، يعني آديلي ساعتين عمال أتكلم ومش فاكر نص كلامنا».
يبقى أن أشير إلى أن Supernova ربما ليس الألبوم الأقوى بين أعمال كايروكي، لكن أهميته تتخطى فكرة القوة أو منافسة الألبومات السابقة، وتمتد إلى ما أبعد من ذلك، هو في البداية ألبوم لتأكيد الهوية الموسيقية، ومعه حالة من النضج يعيشها أعضاء الفريق الذين يعرفون أنهم ليسوا أنفسهم الشباب الذين بدأوا رحلتهم بالغناء عن الشباب وقضاياهم باستخدام نفس مفرداتهم، أو المحاربين على حجز مكان لأنفسهم في تفضيلات جمهور الموسيقى والأغنية، إنما أصبح لديهم وعي أكبر بالعمر والتجارب الإنسانية المتراكمة، وكأنهم وصلوا بالفعل إلى نهاية مرحلة ويبدأون أخرى، فتحولوا للغناء، ليس فقط عما يتمنون، وإنما عما عاشوه من تجارب، وأنه كفريق ما زال لديه نفس الحماس للتجارب الجديدة حتى لو لم يقتنع البعض، وكأن قدرهم أن يصروا على ما يفعلون لإثبات وجهة نظرهم كما فعلوا في البدايات.

اقرأ أيضا: سياحة النواب: فتح خطوط جوية مباشرة من روسيا إلى برج العرب والعلمين دفعة قوية لحركة السياحة
