ماجدة القاضي تكتب: لبنان: معجزة المجتمع.. ومأساة الدولة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


ماجدة القاضي تكتب: لبنان: معجزة المجتمع.. ومأساة الدولة

اقرأ أيضا: 478 طالبًا استفادوا من خدمات مكتب التنسيق الفرعي بجامعة قناة السويس خلال يومين

‏فى الدول الطبيعية، حين تنهار الدولة ينهار معها المجتمع، فتتوقف الخدمات، وتتراجع المؤسسات، وتتآكل الثقة، ويصبح الناس أكثر هشاشة فى مواجهة الفقر والعنف والفوضى. تلك هى الصورة المعتادة. لكن لبنان قدّم خلال السنوات الأخيرة صورة مختلفة، دولة تتراجع وظائفها، بينما يواصل المجتمع حياته، ويتكيّف، ويبتكر البدائل، ويعيد ترتيب شروط البقاء، ولكن خارج المؤسسات الرسمية.

‏منذ خريف عام 2019، ومع انهيار النظام المالى فى لبنان، تآكلت قيمة العملة، وضاعت مدخرات آلاف الأسر، وتراجعت قدرة الدولة على توفير الاحتياجات الأساسية من كهرباء ومياه وتعليم وصحة وحماية اجتماعية. ومع ذلك، لم يسقط المجتمع سقوطاً كاملاً، بل استمرت دورة الحياة، وتحرك الاقتصاد بصورة مشوهة وغير عادلة، بفضل قدرة المجتمع على ابتكار آليات للبقاء.

ويبدو هذا الصمود، للوهلة الأولى، علامة قوة، لكنه فى الحقيقة يطرح سؤالاً صعباً: كيف استطاع اللبنانيون أن يعيشوا مع دولة فقدت القدرة على أداء وظائفها؟ وهل أنقذت قدرة المجتمع على التكيُّف لبنان من الانهيار، أم أنها جعلت انهيار الدولة قابلاً للحياة؟

‏مجتمع يعرف كيف ينجو

لم يخترع اللبنانيون أدوات النجاة بعد الأزمة المالية. كانت هذه الأدوات موجودة بالفعل وتشكلت عبر تاريخ ممتد من ضعف الدولة والحروب والاضطرابات السياسية والهجرة والاعتماد على الخارج. ‏علّمت الحرب الأهلية اللبنانيين عدم الثقة بوضع مقادير حياتهم كاملة فى يد واحدة. فحين كانت الدولة تتراجع عن دورها، كانت العائلة تتقدّم إلى الواجهة، وحين تتوقف الخدمات تظهر شبكات الحى ممثّلة فى الجمعيات والطوائف والأحزاب، وحين يختنق الاقتصاد تتحول الهجرة إلى مشروع عائلى، ويصبح القريب فى الخارج جزءاً من شبكة الأمان عبر التحويلات المالية.

‏بعد عام 2019، أعاد المجتمع اللبنانى تفعيل هذه المنظومة الاقتصادية الموازية، فتوسّع التعامل بالدولار النقدى، وتراجعت الليرة اللبنانية عن أداء دورها فى حماية الدخول والمدخرات. هذه المنظومة لم تكن وليدة تلك الفترة فحسب، بل هى نموذج الاقتصاد اللبنانى الذى تأسس منذ عقود على اقتصاد الخدمات والتحويلات، اقتصاد الاعتماد على الموارد القادمة من الخارج الذى مع تكرار الأزمات تحول إلى أداة رئيسية لبقاء المجتمع.

‏لجأت الفئة المقتدرة إلى التعليم الخاص، والمستشفيات الخاصة وشراء المولدات، والاعتماد على الطاقة الشمسية، بينما اعتمدت الفئات الدنيا على الجمعيات، والمساعدات، وشبكات الأحزاب، والطوائف.

وهكذا لم يعد المجتمع يعيش من خلال الدولة، بل بالتوازى معها، ظلت الدولة قائمة فى الشكل، لكنها لم تعد مصدر الخدمات أو الحماية، أو حتى الثقة الاقتصادية. غير أن هذه القدرة على التكيّف بالتأكيد لم تكن متاحة للجميع، فهناك فئات دفعت كلفة انهيار منظومة الدولة كاملة.

ولذلك، لا يمكن وصف الصمود اللبنانى بأنه بطولة جماعية متجانسة، بل كان صموداً غير متكافئ اجتماعياً واقتصادياً.

بعض اللبنانيين استعادوا حياتهم عبر البدائل والبعض الآخر بقوا على الحد الأدنى منها، بينما انسحب قطاع عريض من التعليم والصحة والحياة الكريمة. ‏نعم صمد المجتمع، لكن كل فرد صمد بقدر ما يملك من مال وانتماء عائلى أو طائفى أو حزبى. نجاة وفقاً لشبكة العلاقات وقدراتها.

‏النظام الذى يعيش من ضعف الدولة

و‏مع ذلك، لا يفسّر صمود المجتمع وحده استمرار لبنان. فالدولة لم تضعف من فراغ، والنظام السياسى لم يكن ضحية للأزمات كما قد يبدو للوهلة الأولى فحسب. على العكس قام هذا النظام تاريخياً على إدارة ضعف الدولة، والاستفادة منه، وتحويل الخدمات والوظائف والحقوق إلى قنوات نفوذ وولاء.

‏فى لبنان، لا تعمل الطائفة بوصفها هوية دينية فحسب، بل بوصفها مؤسسة سياسية واجتماعية. الحزب أو الزعيم لا يقدّم نفسه كصاحب برنامج سياسى فحسب، بل كوسيط يستطيع إدخال مريض للمستشفى، أو توفير وظيفة، أو تأمين مساعدة، أو طلب حماية الجماعة عند الخوف والخطر.

‏لهذا تبدو العلاقة بين اللبنانى والنظام أكثر تعقيداً من مجرد التأييد أو الرفض. فقد يكون المواطن رافضاً للطائفة السياسية ويحمّلها مسئولية الانهيار، لكنه مضطر للعودة إليها حينما يحتاج خدمة لا توفرها الدولة.

‏لا يعكس هذا بالضرورة اقتناعاً بالطائفية، بل يعكس سلوكاً اضطرارياً داخل نظام لا يضمن الحقوق ولا يوفر ثقة بالمؤسسات ولا يجد أمامه دولة حقيقية قادرة على تلبية متطلباته، ومن ثم يلجأ للشبكة التى تستطيع مساعدته.

هنا تتكون دائرة مغلقة: كلما ضعفت الدولة ازدادت حاجة المواطن إلى وسيط سياسى، وكلما ازدادت قدرة هذا الوسيط على العمل فى غياب الدولة ضعفت الدولة فى نظر المواطن.

‏لهذا فالدولة اللبنانية ليست غائبة تماماً كما يتخيل البعض، بل هى حاضرة بصورة انتقائية. ضعيفة فى تقديم الخدمات، حاضرة فى توزيع المناصب والعقود والتراخيص والامتيازات، لكنها عاجزة عن حماية أموال المواطنين، وتوفير الخدمات، لكنها ضرورية لتوزيع النفوذ بين القوة السياسية فى النهاية. المشكلة إذاً أعمق من فساد الحياة السياسية، المشكلة أن الدولة تحولت إلى مورد يجرى تقاسمه، بدلاً من أن تكون مرجعية عامة للجميع.

ذاكرة الحرب

‏لا يمكن فهم سلوك المجتمع اللبنانى، فى محاولة التكيّف والحياة، دون العودة إلى الحرب الأهلية. فالحرب لم تنتهِ فى الذاكرة اللبنانية كما انتهت فى النصوص السياسية. توقفت المعارك، لكن المجتمع ما زال يحيا معركته الخاصة، لأنه لم يحظَ بتجربة وطنية حقيقية للمحاسبة، أو كشف الحقيقة، أو بناء سردية مشتركة لما حدث.

‏بدلاً من ذلك، احتفظت كل جماعة بذاكرتها الخاصة، وضحاياها وأبطالها، ومخاوفها، والأهم قصتها عن الحرب. ‏وبالتالى غابت الذاكرة الوطنية الجامعة، بينما استمرت الحرب داخل البيوت والخطابات والحوارات الاجتماعية المتباينة.

اقرأ أيضا: مقتل شاب بطعنة نافذة على يد شقيقه ووالده بسبب خلافات عائلية في الشرقية

‏إن ذاكرة الحرب لم تنتج فقط القدرة على التكيّف، بل أنتجت أيضاً الخوف من التغيير الكامل. فكل دعوة إلى إسقاط النظام تستدعى سؤالاً: ما الذى يأتى بعده؟ ومن يحمى المجتمع إذا انهارت التوازنات القائمة؟ هل يؤدى كسر النظام الطائفى لبناء دولة جديدة أم إلى عودة الصراع من جديد بشكل أكثر حدة؟

‏يتغذى النظام اللبنانى على هذا الخوف مثلما يعيش من تقديم الخدمات والمصالح. فهو لا يقدم نفسه كنظام ناجح، بل كضمانة ضد الأسوأ. ‏

وهكذا، تستطيع القوة السياسية أن تخسر ثقة المجتمع من دون أن تفقد قدرته على الاعتماد عليها، فقد يكره اللبنانى زعيماً وقائداً، لكنه يخشى أحياناً عالماً لا يعرف كيف سيسير بدونه، ويثق به أكثر مما يثق بدولة ليس لها وجود حقيقى.

‏‏حين يتحول الصمود إلى عبء

‏استطاع المجتمع اللبنانى من خلال الشبكات حماية نفسه من السقوط، وهو أمر لا يمكن لوم المجتمع عليه. ‏لكن النتيجة السياسية غير المقصودة كانت أن الدولة لم تواجه الكلفة الكاملة لفشلها. فكل حل فردى خفّف الأزمة الخاصة، لكنه فتّت الأزمة العامة وغيبها.

‏بهذا المعنى، جرت خصخصة الانهيار. واضطر كل لبنانى إلى البحث عن حل فردى، بينما تراجعت القدرة على تحويل الألم المشترك إلى فعل سياسى مشترك. ‏هذا ما حدث جزئياً بعد انتفاضات أكتوبر 2019، خرج اللبنانى إلى الشارع بخطاب يتجاوز الطوائف، وحمّل الطبقة السياسية مجتمعة مسئولية الفساد والانهيار، لكن حدة الرفض والغضب لم تنتج بديلاً موحداً. ثم توالت الأزمات، من الانهيار المالى إلى جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت، والحروب المتلاحقة، فتحولت طاقة المجتمع من محاولة تغيير النظام إلى محاولة النجاة على الأقل.

‏لم يستعد النظام شرعيته، لكنه استنزف قدرة المجتمع على مواجهته. ‏لهذا لا يصح القول إن المجتمع اختار إنقاذ النظام، فى الحقيقة المجتمع أنقذ نفسه، والنظام استفاد من هذا الصمود على حساب مشروع الدولة. ‏لقد تحولت قدرة اللبنانيين على التكيّف إلى وسادة امتصت صدمة الانهيار، ومنحت الطبقة السياسية وقتاً إضافياً لإدارة الأزمة لا حلها.

‏السؤال الصعب: هل يمكن استعادة الدولة؟

‏بعد سنوات من الاعتماد على العائلة والطائفة والسوق والاغتراب والحلول الجزئية، يصبح السؤال أكثر صعوبة من مجرد الإصلاح الحكومى أو انتخاب رئيس أو تشكيل حكومة. ‏السؤال: هل يستطيع اللبنانى أن يعود إلى الدولة بعدما اعتاد أن يبحث عن حقوقه خارجها؟، ‏وهل يمكن لمؤسسة عامة أن تستعيد الثقة من شبكات صارت أكثر قرباً للناس فى توفير الحماية؟

‏المشكلة أن البدائل لم تعد مؤقتة، الاقتصاد النقدى ترسخ، والهجرة أصبحت الخيار، والخدمات الخاصة حلت محل الخدمات العامة، والأحزاب والطوائف رسخت دورها بوصفها وسطاء لا يمكن تجاوزهم بسهولة. ‏ومع ذلك لا يعنى هذا أن اللبنانيين تخلوا عن فكرة الدولة، فقد أظهرت الاحتياجات المتكررة والمطالبات باستقلال القضاء، واستعادة الودائع، ومحاسبة المسئولين عن انفجار المرفأ، أن المجتمع ما زال يطالب بدولة حقيقية حتى وهو يعيش خارجها.

‏لهذا لن تبدأ استعادة الدولة من توسيع المؤسسات، بل من إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة العامة وهو ما لن يتحقّق ما لم تصبح الحقوق مستقلة عن الطائفة، والخدمات مستقلة عن الوسيط، والمحاسبة بعيدة عن المصالح، والوظيفة العامة لا تعتمد على الولاء السياسى. ‏لقد استطاع اللبنانيون خلال السنوات الماضية حماية بلادهم من السقوط الكامل لكنهم دفعوا ‫ثمناً غالياً من الحقوق والحريات والمدخرات والهجرة والثقة العامة. لم يهزموا انهياراً، لكنهم تعلموا كيف يعيشون داخله، وربما كانت هذه هى قوة المجتمع اللبنانى ومأساة الدولة فى آن واحد.

** إعلامية مصرية، كاتبة وباحثة متخصّصة فى شئون الشرق الأوسط
** من مجلة الوطن العربي – العدد العاشر

اقرأ أيضا: نائب محافظ الأقصر يتابع مشروع تطوير البوابة الإلكترونية والخدمات الرقمية

‫0 تعليق