قبل عام، أقدم حزب العمال الكردستاني المحظور على إحراق أسلحته في عمل رمزي اعتُبر دليلًا على نيته حل نفسه. ومنذ ذلك الحين، يطالب الجانب الكردي الحكومة التركية باتخاذ خطوات سياسية.
اقرأ أيضا: ألمانيا توسع صلاحيات أجهزتها الاستخباراتية
والآن أقرّ البرلمان التركي قانونًا قدّمه الحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية الإسلامي المحافظ وحليفه حزب الحركة القومية (MHP) القومي المتطرف. وهذا القانون اسمه الرسمي هو “القانون الإطاري لتعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي”، ويهدف إلى خلق إطار قانوني لعملية السلام الجارية.
وبحسب البيانات الرسمية فقد صوّت لصالح القانون 467 نائبًا من أصل 592 نائبًا في البرلمان. ويرى الحزب الحاكم وحلفاؤه في هذا القانون بداية عهد جديد: فهو ينص على تأجيل التحقيقات ومحاكمات أعضاء حزب العمال الكردستاني بشروط معينة، ولكن فقط بعد حل حزب العمال ونزع سلاحه وحل ونزع سلاح الجماعات المرتبطة به، حتى يسود السلام والأخوة والتضامن في جميع أنحاء تركيا.
ويدعم القانون أيضًا حزبُ اليسار الأخضر (DEM) المؤيد للأكراد، لكنه ينظر إليه باعتباره مجرد خطوة أولى يجب أن تتبعها إصلاحات أخرى.
قانون حزب العمال الكردستاني: انقسام في المجتمع والبرلمان
وواجه مشروع القانون معارضة شديدة من الحزب “الجيد” (IYI) المعارض القوموي المتطرف. وحتى أثناء المداولات، اتهمت نائبة من هذا الحزب أيوسة توركس، وهي ابنة مؤسس جماعة الذئاب الرمادية القوموية اليمينية المتطرفة، الحكومة بالتسرّع في تمرير هذا القانون في البرلمان رغم أن عواقبه خطيرة، بحسب وصفها.
وانتقدت أيضًا ما اعتبرته موقفًا متسامحًا جدًا تجاه مؤسس حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، الذي تجنبت ذكر اسمه، ووصفته بـ”قاتل الأطفال” – تمامًا كما كانت تفعل الجهات الحكومية ووسائل الإعلام على مدى عقود من الزمن. وقد وصل الأمر حتى إلى وقوع اشتباكات بالأيدي.
ويبين هذا النقاش مدى عمق الانقسامات المجتمعية في تركيا. وبينما يرفض الحزب “الجيد” القومي المتطرف عملية السلام، يعد حزب الحركة القومية MHP، الذي خرجت منه جماعة “الذئاب الرمادية”، من أهم داعميها اليوم بعد أن كان يعارض بشدة مبادرات السلام السابقة.
ويرى المراقبون أن هذا التغيير في المسار والتقدم في عملية السلام يعود أيضًا إلى تغير الوضع الأمني في المنطقة. ويذكرون أسباب أخرى من بينها سقوط نظام الأسد في سوريا، و حرب غزة، والتوترات بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران. حيث تعيش في سوريا وإيران مجموعات سكانية كبيرة من الأكراد، الذين يتلقون الدعم من جهات إقليمية مختلفة. وبحسب الرأي السائد لدى الأتراك فإن وجود علاقة أكثر استقرارًا مع الأكراد في تركيا قد يمنح أنقرة هامشا أوسع للتحرك في القضايا الداخلية والخارجية.
على ماذا ينص القانون؟
القانون يتعلق بالإدانات بسبب بالانتماء إلى حزب العمال الكردستاني، أو الدعاية له، أو تمويله، أو دعمه المتعمد ودعم هياكله. وينص القانون على تأجيل التحقيقات والمحاكمات التي تصل عقوبتها إلى السجن لمدة 15 عامًا وتعليق تنفيذها خمسة أعوام.
أما التحقيقات والمحاكمات المتعلقة بجرائم تتجاوز عقوبتها السجن 15عامًا أو أحكام السجن المؤبد، فسيتم تعليق تنفيذها عشرة أعوام. وبحسب وسائل إعلام مقربة من الحكومة فقد يستفيد من هذا القانون ما يصل إلى 3600 سجين.
ويشترط القانون حل حزب العمال الكردستاني بشكل تام وتسليم جميع أسلحته وذخيرته. ويجب أن تثبت السلطات التركية تحقق كلا الشرطين، ثم يصدق عليهما رسميًا مجلس الأمن القومي برئاسة الرئيس رجب طيب أردوغان.
ويُستثنى من هذا القانون أعضاء حزب العمال الكردستاني الذين أدينوا قبل 1 حزيران/يونيو 2005 – أي تاريخ سريان قانون العقوبات الحالي – وكذلك المدانين بجرائم قتل. وهذا يعني أن هذه الترتيبات لا تنطبق أيضًا على مؤسس حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان. لقد دعا أوجلان البالغ عمره 77 عامًا إلى حل حزب العمال في شباط/فبراير 2025، وأعلن انتهاء الكفاح المسلح، وأعرب عن تأييده لحل سياسي.
حزب العمال الكردستاني ينظر إلى القانون كخطوة أولى فقط
وحزب العمال الكردستاني يصف القانون أيضًا بأنه خطوة أولى، ولكنه ينتقد صيغته ومضمونه. وهو يطالب بطلب أساسي لا يزال غير محقق: فطالما أن عبد الله أوجلان لا يستطيع تنسيق عملية السلام بشكل مباشر في حرية، فإن مسألة الأسلحة لم يتم حلها.
ويرى حزب العمال أن القوانين الجنائية لا تكفي وحدها، بل هناك حاجة إلى إصلاحات ديمقراطية أشمل. ورسالته هي طالما استمر تجريم المقاتلين العائدين أو السياسيين المنفيين وعدم تمكنهم من ممارسة النشاط السياسي بشكل قانوني، فمن الصعب أن يغادر أحد الجبال.
من المعروف أن العمل السياسي القانوني المؤيد للأكراد مقيّد في تركيا منذ عقود: فقد حظر السلطات الأحزاب واعتقلت السياسيين أو منعتهم من ممارسة أي نشاط عام. وحتى يومنا هذا يتم عزل رؤساء بلديات منتخبون من مناصبهم، ويُسجن العديد من السياسيين والناشطين. ومن بينهم أيضًا الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي HDP المؤيد للأكراد، صلاح الدين دميرتاش، ورئيسة الحزب المشاركة السابقة فيغن يوكسكداغ.
سلام بدون تحول ديمقراطي؟
ينتقد الخبير السياسي بيرك إيسن القانون على عدم تقديمه أية حلول ديمقراطية ملموسة للقضية الكردية. ويرى بالإضافة إلى ذلك أن الحكومة زادت الضغط بشكل كبير على أكبر حزب معارض، أي حزب الشعب الجمهوري CHP، بالتزامن مع عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني. ويقول إن القضاء يتخذ منذ نحو عامين إجراءات متزايدة ضد سياسيي حزب الشعب الجمهوي.
اقرأ أيضا: إسبانيا ترفض مناقشة سيادتها على سبتة ومليلية وأي هجوم عليهما
ويرى النقاد في ذلك محاولة لإضعاف أقوى المنافسين السياسيين. ومن أشهر هذه الحالات قضية رئيس بلدية إسطنبول السابق ومرشح حزب الشعب الجمهوري للرئاسة، أكرم إمام أوغلو، الذي يقبع في السجن مع مئات من أعضاء حزبه بتهم الاحتيال والفساد. وكذلك تم عزل قيادة حزب الشعب الجمهوري كلها، بمن فيها أوزغور أوزيل، الذي اضطر قبل أسابيع إلى تأسيس حزب جديد.
انتقادات لدور أردوغان
وينتقد إيسن في المقام الأول تأثير أردوغان القوي على عملية السلام، التي من المفترض أن تتولى تنفيذها لجنة برئاسة نائب الرئيس ووزراء رئيسيين يعتبرون من كبار المسؤولين في جهاز المخابرات ومجلس الأمن القومي.
ويرى إيسن أن أردوغان في نهاية المطاف هو من يقرر بصفته رئيس مجلس الأمن القومي الخطوات ومتى يتم تنفيذها في عملية السلام. ويشاركه في هذا التقييم ريها روهافي أوغلو، مدير مركز الدراسات الكردية. ويقول: “من الواضح تمامًا أن أردوغان سيحدد سرعة العملية”.
ويضيف أن ذلك يعود إلى اختلال موازين القوى بين الدولة وحزب العمال الكردستاني. وأن أردوغان تعلم أيضًا من فشل محادثات السلام بين عامي 2013 و2015، وسيعمل الآن بالتأكيد على تعزيز سيطرته بشكل أقوى.
وفي الوقت نفسه، أردوغان يركز بشدة على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لعام 2028، وسيسعى للحد من أية مخاطر سياسية محتملة بسبب هذه العملية، كما يقول إيسن.
ويتوقع روهافي أوغلو حدوث المزيد من الجدل، خاصة عنذما يعود مقاتلو حزب العمال الكردستاني السابقون إلى تركيا ويظلون طلقاء. ولذلك على الأرجح أن تسمح الحكومة التركية بالعودة، وتعليق الأحكام، وممارسة النشاط السياسي بشكل تدريجي ويعتمد أكثر على ردود فعل المجتمع التركي.
أعده للعربية: رائد الباش
تحرير: عادل الشروعات
اقرأ أيضا: «صقور السلة» يصل تايوان للمشاركة بكأس «ويليام جونز»
