
بعد سنوات من المواجهة في ساحات القتال، بدا مؤخرا أن حزب الله والقيادة الجديدة في سوريا يتبادلان إشارات بالاستعداد للجلوس إلى طاولة واحدة.
اقرأ أيضا: ابنة بيل غيتس مهددة بالسجن 20 سنة.. والسبب Cookie Stuffing
وصدرت أحدث هذه الإشارات عن حزب الله قبل أيام، إذ أعلن أمينه العام نعيم قاسم أنه لا يرى مانعا من عقد لقاء علني مع القيادة السورية الجديدة، حين يصبح التوقيت مناسبا للطرفين.
وبدا حديث قاسم ردا على انفتاح سبق أن أبداه الرئيس السوري أحمد الشرع على إمكانية الحوار مع الحزب، إذا اقتضت مصلحة سوريا ولبنان ذلك.
وشارك حزب الله لأعوام طويلة في الحرب السورية دعما لنظام بشار الأسد، حيث خاض مواجهات عنيفة مع فصائل الثورة، التي تشكل أساس القيادة السورية اليوم.
وجاء سقوط الأسد في ديسمبر 2024 ليكلف حزب الله ثمنا غاليا، إذ خسر حليفا وثيقا في دمشق، وممرا استراتيجيا يربطه بإيران.
وفي المقابل أعلنت السلطة السورية الجديدة أن بسط سيطرتها على أراضيها وحدودها تقع في صدارة أولوياتها.
يقرأ النائب في مجلس الشعب السوري، ياسر الشحادة، مبادرة قاسم باعتبارها تطورا في خطاب حزب الله تجاه سوريا الجديدة، ورسالة عن استعداده للانتقال من مرحلة القطيعة إلى إمكانية الحوار السياسي.
لكنه يرى أن دمشق، في المقابل، لا تنظر إلى الأمر باعتباره لقاء من أجل اللقاء، وإنما بما ينتج عنه من مصلحة فعلية لسوريا ولبنان.
وحتى الآن، لا توجد معلومات معلنة عن قنوات اتصال مباشرة بين دمشق وحزب الله.
ويصعب، بحسب الشحادة، تأكيد وجود رسائل غير مباشرة أو وساطات، ما لم يُعلن عن ذلك رسميا.
وجاء إعلان قاسم في مرحلة صعبة بالنسبة إلى حزب الله الذي لا يزال يخوض حربا قاسية مع إسرائيل، ألحقت به خسائر عسكرية وسياسية فادحة.
كما يواجه الحزب، المدرج على قوائم الإرهاب في دول عدة، ضغوطا مرتبطة بمستقبل سلاحه في الداخل اللبناني، بعد اتخاذ الحكومة اللبنانية قرار حصر السلاح بيد الدولة.
ويقول المحلل السياسي خالد الحاج لموقع “الحرة” إن “حزب الله يشعر بوضعه الضعيف والحساس”، ولذلك يحاول فتح العلاقات مع دمشق.
ويرى أن الحزب ربما يستهدف في نهاية المطاف، بناء علاقة تسمح له بإعادة استخدام سوريا معبرا للأسلحة والأموال.
لكن هذا الطرح يصطدم بموقف سوري صارم حيال منع استخدام أراضي البلاد لتهريب السلاح.
وبعد إطاحة الأسد، أعلنت دمشق إحباط عمليات تهريب أسلحة كانت بطريقها إلى حزب الله. كما أعلنت في مايو الماضي تفكيك خلية مرتبطة به، تخطط لأنشطة داخل سوريا. ونفى الحزب علاقته بها.
ويلخص الشحادة أولويات سوريا الحالية في أمن الحدود السورية – اللبنانية، ووقف تهريب السلاح والمخدرات، ومنع استخدام أراضيها ممرا لأي نشاط عسكري أو أمني خارج سلطة الدولة.
بينما يعتبر الباحث السياسي السوري ميلاد الأطرش أن حزب الله يحتاج إلى دمشق في وقت لا تحتاج دمشق فيه العودة إلى الماضي.
والحزب، في رأيه، يتعامل مع نظام سوري يريد استعادة سيادته الكاملة على حدوده وأراضيه، وقد يحتاج إلى تواصل معه “لإدارة الملفات الأمنية والحدودية وتجنب سوء التقدير”.
لكن دمشق، في المقابل، لا تحتاج إلى حزب الله كقوة عسكرية، وهي بالتأكيد لا تريد إعادة إنتاج العلاقة التي كانت قائمة في عهد النظام السابق.
ويمتد هذا إلى قضية سلاح حزب الله، التي تعتبرها دمشق شأنا لبنانيا داخليا يُعالج ومن خلال مؤسسات الدولة، وأنه ليس من مهمة سوريا التدخل عسكريا في لبنان لنزع سلاح الحزب.
وهو موقف كرره الشرع في مناسبات عدة، رغم تصريحات مخالفة للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
اقرأ أيضا: بورصات الخليج تنهي تعاملاتها على تباين وسط التوتر…
وسبق أن أشار ترامب إلى أن الرئيس السوري يمكنه أن يتولى التعامل في لبنان، بل ذكر في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، في يوليو الماضي، أن الشرع سيكون أكثر دقة من الإسرائيليين في تعامله مع حزب الله، بحسب قوله.
وعلق الشرع على تلك الاقتراحات، وأكد أن سوريا لن تتدخل في لبنان إلا بناء على طلب الحكومة اللبنانية، ورفض أي تدخل في شؤونه.
ومنذ تولي الشرع السلطة، اتجهت دمشق إلى إعادة تنظيم العلاقة مع لبنان عبر المؤسسات الرسمية.
وفي أغسطس 2025، قال الشرع إنه فضل عدم الرد على حزب الله رغم ما فعله في سوريا، قبل أن يعلن في مارس دعمه للرئيس جوزاف عون في ملف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
ثم انعكس التقارب على زيارات واتصالات متبادلة، أبرزها لقاء رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بالشرع في دمشق في مايو، وزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في يوليو، حيث التقى الرؤساء الثلاثة وشخصيات سياسية عُرفت بمعارضتها لنظام الأسد.
ويشير هذا إلى أن دمشق تريد تحديد علاقتها بلبنان في إطار دولة بدولة، أما إذا تواصلت، في وقت ما، مع حزب الله فسيقتصر ذلك على ملفات تستدعي ذلك، ودون أن يحل الحزب مكان الدولة.
لكن هناك عاملا آخر يتعلق بالذاكرة السورية. فحزب الله شارك إلى جانب قوات الأسد في الحرب، ولا تزال آثار تدخله حاضرة في ذاكرة السوريين.
ويقول الأطرش أنه لا يمكن تجاوز ما فعله حزب الله في سوريا كأنه لم يحدث، لكنه يرى أن دمشق لا تستطيع أن تجعل الماضي وحده يرسم سياستها الخارجية.
كما تبرز إيران بالتأكيد بوصفها عاملا مؤثرا في تحديد درجة التقارب. فحزب الله حليف وثيق لطهران، في وقت تسعى القيادة السورية الجديدة فيه إلى بناء سياسة إقليمية مختلفة عن سياسة سوريا في عهد الأسد.
ويضيف الحاج إلى المعادلة لاعبا آخر هو تركيا، لافتا إلى أن بعض الحسابات الإقليمية قد تدفع دمشق وأنقرة إلى النظر إلى حزب الله كورقة يمكن استخدامها لإشغال إسرائيل، أو في المفاوضات والترتيبات المقبلة.
وحتى الآن، لا موعد معلنا لأي لقاء بين حزب الله والقيادة السورية، لكن شحادة يقول إن الحديث عن مصالحة شاملة سابق لأوانه، والأكثر واقعية البدء من إدارة الخصومة: تفاهم أمني، وضبط للحدود، وبناء للثقة، ثم حوار سياسي مشروط.
ورغم ذلك فإن احتمالات اللقاء اليوم تبدو، في رأيه، أكبر مما كانت عليه قبل أشهر، بعدما أزالت تصريحات الشرع وقاسم المانع السياسي من حيث المبدأ، وبقيت حسابات التوقيت والظروف.
اقرأ أيضا: الأزمات المزمنة ومستقبل النساء
