الجيش يغادر والمستوطنون يعودون.. من يفرض القانون في الضفة؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تكشف سلسلة من الأحداث المتزامنة في الضفة الغربية المحتلة عن أزمة متصاعدة في فرض القانون، بعدما بات فلسطينيون يواجهون هجمات المستوطنين في ظل حضور عسكري إسرائيلي يبدو أحيانا عاجزا عن وقفها، أو مترددا في مواجهتها.

ومن قرية قصرة إلى بلدة الطيبة المسيحية، تتكرر صورة واحدة: المستوطنون يهاجمون، والجيش يتدخل بصورة محدودة، ثم يغادر، ليعود المعتدون إلى مواقعهم.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ووفقا لتقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” بقلم ديفيد هالبفينغر وفاطمة عبد الكريم وناتان أودنهايمر، تحولت معاناة عائلتين فلسطينيتين في قصرة (شمالي الضفة الغربية) إلى واحدة من أبرز الوقائع التي سلطت الضوء على هذه الأزمة.

فقد حاصر أكثر من 10 مستوطنين عائلتي حسن وأبو ريدي داخل منزليهما، وأقاموا خيمة أمام أحد المنزلين، وواصلوا مهاجمتهما بالحجارة وأدوات أخرى، في وقت قالت فيه العائلات إن الاعتداءات بدأت منذ أشهر وتصاعدت بصورة خطيرة.

Palestinians look at houses besieged by Israeli settlers in Qusra village in the Israeli-occupied West Bank, August 12,2026. REUTERS/Ismael Khader
فلسطينيان ينظران إلى منازل يحاصرها مستوطنون إسرائيليون في قرية قصرة 12 أغسطس/آب 2026 (رويترز)

الجيش لا يوقف المستوطنين

وأوضح التقرير أن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي اللواء آفي بلوت وصل إلى قصرة صباح الأربعاء، واستمع إلى شكاوى إحدى العائلات، بينما حاول الجنود تفريق المستوطنين بالغاز المسيل للدموع.

لكن الجنود غادروا المكان بعد وقت قصير، لتُستأنف الهجمات. وقالت عائشة حسن، إحدى سكان المنطقة، إن ظهور الجيش منح العائلة أملا، لكن مغادرته جعلتها أكثر خوفا، لأنها أدركت أن الجنود لم يستطيعوا وقف المستوطنين.

وفي المساء، أعلن الجيش الإسرائيلي إرسال كتيبة إضافية إلى الضفة الغربية بهدف تعزيز “النظام والسيطرة العملياتية”، لكن استمرار المستوطنين في المنطقة أظهر أن المشكلة أعمق من مجرد نقص في القوات.

واتهم سكان قصرة، كما أورد التقرير، المستوطنين بتحطيم النوافذ والأبواب، وقطع خطوط الخدمات، وتدمير ألواح الطاقة الشمسية، وسرقة الممتلكات، وإطلاق النار وإلقاء زجاجات حارقة. وفي إحدى الوقائع، منع المستوطنون سيارة إسعاف من الوصول إلى طفلة تبلغ عامين، قبل أن يتمكن جنود آخرون من تأمين وصولها إلى عيادة محلية.

نيكولاس كريستوف:
عنف المستوطنين بلغ مستويات قياسية، وحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تتحمل مسؤولية كبيرة عن البيئة التي سمحت بتصاعده

ازدياد العنف مقارنة بالعام الماضي

وتتزامن هذه الحادثة مع تصاعد عام في عنف المستوطنين بالضفة. ووفقا لبيانات الأمم المتحدة الواردة في تقرير “نيويورك تايمز”، قتل المستوطنون 18 فلسطينيا حتى نهاية يوليو/تموز الماضي، وهو عدد يتجاوز ما سُجل طوال عام 2023. كما ظهرت تسجيلات على وسائل التواصل الاجتماعي لمستوطنين وهم يهاجمون بلدات فلسطينية ويحرقون مساجد.

وفي هذا السياق، وصف غادي شميني، الجنرال الإسرائيلي المتقاعد والرئيس السابق للقيادة المركزية، الوضع بأنه “فشل ذريع”، قائلا إن إسرائيل تفقد السيطرة على الضفة الغربية. ويرى شميني أن منظومة التعاون السابقة بين الجيش والشرطة وأجهزة الأمن لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها، في ظل النفوذ السياسي المتزايد للتيار المؤيد للمستوطنين.

RAMALLAH, WEST BANK, PALESTINE - AUGUST 10 : Israeli settlers continue their raids on the Christian village of Taybeh, causing concern among local residents despite the Israeli army declaring the area a 'closed military zone,' on August 10, 2026 in Ramallah, West Bank, Palestine. Issam Rimawi / AnadoluNo Use USA No use UK No use Canada No use France No use Japan No use Italy No use Australia No use Spain No use Belgium No use Korea No use South Africa No use Hong Kong No use New Zealand No use Turkey
مستوطنون يواصلون اقتحاماتهم لقرية “الطيبة” رغم إعلانها “منطقة عسكرية مغلقة” من قبل الجيش الإسرائيلي (الأناضول)

إغلاق بلدة الطيبة

وتشير صحيفة “تلغراف” البريطانية إلى صورة أخرى للأزمة في بلدة الطيبة، قرب رام الله، وهي آخر بلدة مسيحية بالكامل في الضفة الغربية. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي المنطقة “منطقة عسكرية مغلقة” بعد أشهر من الهجمات التي اتهم سكان البلدة مستوطنين بشنها، بما في ذلك إحراق الممتلكات وترهيب السكان والدخول إلى الأراضي الخاصة والزراعية.

ويتضمن القرار منع الإسرائيليين والأجانب من دخول المنطقة، بينما لا يشمل الفلسطينيين المقيمين فيها. لكن هذا الإجراء أثار مخاوف من أن يؤدي عمليا إلى إبعاد الصحفيين والمراقبين الدوليين عن موقع الأحداث، خصوصا أن أوامر مماثلة استُخدمت في مناطق أخرى لمنع الوصول إلى مواقع تعرض فيها الفلسطينيون لهجمات من المستوطنين.

اقرأ أيضا: عاجل العناية الإلهية تنقذ عائلة مواطن من رصاصة طائشة …..

وقال الأب بشار فوايدة، كاهن كنيسة المسيح الفادي في الطيبة، إن القرار يمكن أن يكون خطوة إيجابية إذا طُبق بصورة حقيقية لمنع المستوطنين من دخول أراضي البلدة، لكنه شدد على أن المهم ليس الإعلان وإنما ما سيحدث على الأرض خلال الأسابيع المقبلة. وأكد أن سكان الطيبة تعرضوا لأشهر من الترهيب وإحراق الممتلكات ووجود مسلحين ومحاولات لإقامة وجود دائم للمستوطنين.

وتكتسب قضية الطيبة أهمية خاصة بسبب مكانتها التاريخية والدينية؛ إذ تضم كنائس يعود بعضها إلى القرن الخامس، كما أنها واحدة من آخر التجمعات المسيحية المتبقية في الضفة الغربية. لكن رئيس بلديتها سليمان خوري حذر من أن تقييد دخول الزوار الأجانب سيزيد الصعوبات الاقتصادية التي تواجه البلدة.

حكومة نتنياهو تتحمل المسؤولية

وفي مقال بصحيفة “نيويورك تايمز”، يضع الكاتب نيكولاس كريستوف هذه الأحداث في سياق سياسي أوسع، معتبرا أن عنف المستوطنين بلغ مستويات قياسية، وأن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تتحمل مسؤولية كبيرة عن البيئة التي سمحت بتصاعده. ويشير إلى أن معدل الهجمات ارتفع من نحو 5 هجمات يوميا العام الماضي إلى 6 هجمات يوميا خلال النصف الأول من العام الحالي، وفقا للأمم المتحدة.

ويرى كريستوف أن احتمال خسارة نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد يفتح الباب أمام تهدئة نسبية، خصوصا إذا تولى غادي آيزنكوت قيادة الحكومة، لكنه لا يتوقع تحولا جذريا، مشيرا إلى أن آيزنكوت نفسه ليس من دعاة السلام، وإنما قد يكون أكثر استعدادا لفرض القانون على المستوطنين والحد من التجاوزات.

وتكشف المواد الثلاث في مجملها عن مفارقة خطيرة: المشكلة لم تعد فقط في وقوع اعتداءات من جانب مستوطنين متطرفين، بل في قدرة الدولة على فرض القانون عليهم. فعندما يصل الجيش إلى موقع الهجوم ثم يغادر ويعود المعتدون، أو عندما تغلق السلطات منطقة تتعرض لهجمات بدلا من ضمان وصول المراقبين إليها، يصبح السؤال المركزي: من يملك فعليا القدرة على تحديد ما يحدث في الضفة؟

وبينما تعلن الحكومة الإسرائيلية إجراءات لتعزيز السيطرة، يرى منتقدوها أن النفوذ السياسي للمستوطنين داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية جعل مواجهة العنف أكثر صعوبة.

وهكذا تبدو الضفة الغربية أمام أزمة تتجاوز الصراع بين الفلسطينيين والمستوطنين إلى أزمة في مفهوم سلطة القانون نفسه، حيث يصبح غياب الردع سببا في تشجيع المزيد من الاعتداءات، في حين يدفع الفلسطينيون ثمن تراجع الحماية والاستقرار.

اقرأ أيضا: أربع عادات تقتل القلب

‫0 تعليق