هناك أعمال درامية لا تدفعك إلى مشاهدة التاريخ فحسب، وإنما تجعلك تشعر أنك تعيشه من جديد. وهذا بالضبط ما فعله معى مسلسل «البرازيل 70.. النجمة الثالثة»، الذى أنتجته إحدى المنصات الأمريكية فى خمس حلقات رائعة استعدت معها واحدة من أكثر لحظات كرة القدم سحراً، حين ذهبت البرازيل إلى كأس العالم 1970 فى المكسيك بحثاً عن النجمة الثالثة، وعادت وهى تكتب واحدة من أجمل صفحات تاريخ اللعبة.
اقرأ أيضا: ختام تدريبات الطلبة الراغبين في التقدم للكليات التي تحتاج إلى تأهيل رياضي بشباب كفرالشيخ| صور
لم يتعامل المسلسل مع قصة البطولة باعتبارها مجموعة من المباريات والأهداف، وإنما قدم الصورة كاملة: فريق يحلم بالمجد، ولاعبون يحمل كل منهم قصة، ومدرب يحاول أن يصنع من هذه المجموعة الهائلة من المواهب فريقاً قادراً على تحقيق الحلم، إلى جانب المسارات السياسية والاجتماعية التى أحاطت بالبطولة. والأجمل أنه نجح فى تحويل كل مباراة إلى تحدٍ درامى جاذب، بحيث لا تصبح النتيجة وحدها هى المهمّة، وإنما الرحلة التى قادت إليها.
لقد أعادنا المسلسل إلى واحد من أزهى عصور كرة القدم، عصر الأسطورة بيليه والجيل الذى أحاط به. لم يكن بيليه وحده فى ذلك المنتخب، وإن كان اسمه يكفى وحده لفتح صفحة كاملة من تاريخ اللعبة. كان إلى جواره جيرسون، وتوستاو، وجاييرزينيو، وريفلينو، وكارلوس ألبرتو، وغيرهم من اللاعبين الذين امتلك كل منهم من الموهبة ما يكفى ليكون نجماً فى فريق آخر. لكن العبقرية الحقيقية لذلك المنتخب لم تكن فى عدد النجوم الذين امتلكهم، وإنما فى قدرته على جمعهم داخل فريق واحد.
وهنا تظهر قيمة ماريو زاجالو، المدرب الذى لم يكن مجرد رجل يقف على الخط ويصدر التعليمات ثم يجلس يبتهل إلى الله ليمنح فريقه الفوز، وإنما كان جزءاً من تاريخ البرازيل نفسه، بعدما أصبح أول شخص فى التاريخ يفوز بكأس العالم لاعباً ثم مدرباً. كان يعرف جيداً معنى أن تمتلك المواهب، لكنه كان يعرف أيضاً أن الموهبة وحدها لا تصنع فريقاً. فقد جاءت تجربته بعد إخفاق البرازيل فى كأس العالم 1966، وهى البطولة التى كشفت أن امتلاك مجموعة من النجوم لا يكفى إذا لم يكن هناك نظام قادر على توظيفهم فى خدمة الجماعة.
لذلك أعاد زاجالو ترتيب الأدوار. لم يطلب من النجوم أن يتخلوا عن عبقريتهم، وإنما أن يستخدموها فى المكان الذى يخدم الفريق. كان يريد أن تتحول المهارات الفردية إلى قوة جماعية، وأن يصبح كل لاعب أكثر قيمة عندما يلعب من أجل الآخرين، لا عندما يحاول أن يثبت أنه أفضل منهم. وربما هنا تحديداً تكمن واحدة من أهم رسائل البرازيل 1970: أن الفريق العظيم لا يلغى نجومه، وإنما يمنحهم المساحة التى تجعل نجوميتهم أكثر اكتمالاً.
أما الدرس الذى قدمه بيليه فى تلك البطولة فلم يكن فى المهارة وحدها، ولا فى الأهداف والتمريرات واللمسات الساحرة، وإنما فى قدرته على إعادة توظيف دوره بما يخدم جماعية اللعب.
كان النجم الأكبر، لكنه لم يكن يريد أن يكون اللاعب الوحيد الذى تدور حوله المباراة.
وهنا تكمن عظمة بيليه الحقيقية. فقد أثبت أن النجم الكبير لا تتراجع قيمته عندما يشارك الآخرين فى صناعة المجد، بل تزداد.
كان يعرف متى يسجل، ومتى يصنع، ومتى يتحرك ليفتح المساحة لزميل، ومتى يترك الكرة لغيره. والأهم أنه ظل قادراً على العطاء المتميز حتى اللحظة الأخيرة، وكأنه يقول إن العبقرية ليست أن تظل فى مركز الصورة طوال الوقت، وإنما أن تعرف كيف تجعل وجودك فى الملعب مفيداً للصورة كلها.
وطريق البرازيل إلى النجمة الثالثة لم يكن مفروشاً بالمتعة وحدها. فقد كان عليها أولاً أن تواجه شيئاً أكثر قسوة من المنافس: الذاكرة.
كانت أوروجواى تنتظرها فى نصف النهائى، ومعها شبح «ماراكانازو»، تلك الهزيمة القاسية التى تعرضت لها البرازيل أمام أوروجواى فى نهائى كأس العالم 1950 على ملعب ماراكانا فى مدينة ريو دى جانيرو البرازيلية، والذى يعد أحد أشهر ملاعب كرة القدم فى العالم.. لم تكن الهزيمة مجرد مباراة خسرها منتخب، وإنما تحولت إلى جرح عميق فى الذاكرة البرازيلية، وظل اسم أوروجواى مرتبطاً فى الوعى الكروى البرازيلى بواحدة من أكثر لحظات الانكسار قسوة.
ولهذا بدت مواجهة 1970 وكأنها مباراة بين فريقين، لكنها فى الحقيقة كانت مواجهة بين البرازيل وماضيها. بدأت أوروجواى المباراة بقوة وتقدمت بهدف مبكر، وكأن التاريخ يحاول أن يعيد نفسه. لكن الفارق هذه المرة أن البرازيل لم تكن مستعدة للسقوط أمام الخوف القديم. عادت إلى المباراة، واستعادت توازنها، ثم فرضت شخصيتها وانتهت المواجهة بثلاثة أهداف مقابل هدف.
ثم جاءت إيطاليا فى النهائى، لتكتمل الصورة. هنا كان على البرازيل أن تثبت أنها أصبحت فريقاً مكتملاً يستطيع تحويل الموهبة إلى إنجاز. سجل بيليه، وشارك جيرسون وجاييرزينيو ورفاقهما فى صناعة التفوق، ثم جاء الهدف الرابع الذى سجله كارلوس ألبرتو ليصبح واحداً من أكثر الأهداف شهرة فى تاريخ كأس العالم.
ولم يكن جمال الهدف فى نهايته فقط، وإنما فى الطريقة التى وصل بها إلى الشباك. تمريرات وحركة وتبادل أدوار، ثم كرة تنتهى عند قدم كارلوس ألبرتو. كان هدفاً يلخص فلسفة تلك البرازيل كلها: لا أحد يصنع المجد وحده.
إن «البرازيل 70.. النجمة الثالثة» ليس مسلسلاً عن كأس العالم فقط، ولا عن بيليه وحده، ولا حتى عن منتخب استثنائى. إنه، فى جوهره، حكاية عن قيمة الاجتهاد فى الوصول إلى الحلم، وعن الموهبة حين تجد من يعرف كيف يوظفها، وعن الإنسان حين يدرك أن أعظم ما يمكن أن يفعله ليس أن يلمع وحده، وإنما أن يضيف إلى لمعان الآخرين.
وهنا يمكن للرياضة أن تتحول إلى درس تتعلم منه الأجيال، وإلى عبرة تلهم الشعوب، عندما تتجاوز حدود الملعب والنتيجة، وتقدم نموذجاً فى العمل والانضباط والإصرار واحترام دور الآخرين. فالبطولة الحقيقية ليست فقط أن تفوز، وإنما أن تعرف كيف وصلت إلى الفوز، وماذا تركت وراءك بعده.
وربما كانت عظمة البرازيل 1970 فى أنها لم تكتفِ بممارسة كرة القدم والانتصار فيها، وإنما حولت الانتصار إلى فن عظيم يليق بالمجد الذى حققته.
وهذا هو الدرس الذى يبقى بعد أكثر من نصف قرن: العبقرية ليست فى أن تمارس اللعبة بإتقان وتنتصر فيها فقط، وإنما فى أن تجعل من هذا الانتصار فناً، ومن هذا الفن قيمة، ومن هذه القيمة ذاكرة قادرة على إلهام أجيال لم تولد بعد.
اقرأ أيضا: محافظة الإسكندرية تواصل جهودها لرفع كفاءة النظافة ورفع 666 طنًا من المخلفات
