أمريكا تعيد هندسة علاقتها مع الإخوان (1)

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

فى الخامس من أغسطس الجارى، وفى قاعة لجنة القضاء بمجلس الشيوخ الأمريكى، ارتفعت مطرقة السيناتور الجمهورى تيد كروز لتعلن بدء جلسة تحمل عنواناً لا يخلو من الطرافة: «مختبئون على مرأى من الجميع.. مواجهة شبكة الإخوان المسلمين فى أمريكا».

اقرأ أيضا: غير عادل ومبالغ فيه.. حكام الدوري الإسباني يحسمون موقفهم من «قانون فينيسيوس»

الجلسة شهدت مقاطعة الأعضاء الديمقراطيين الخمسة، تاركين «كروز» وحيداً مع شهوده ومطرقته، وكأن الجميع يدرك أن هذا المسرح السياسى لا يستحق وقتاً ثميناً هم أولى به فى صيف انتخابى حارق.

ما حدث فى تلك الجلسة لا يمكن اختزاله فى إطار الصراع بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى، أو ربطه فقط بقرب انتخابات مجلس النواب التى ستجرى فى نوفمبر المقبل، لكنه أشبه بحلقة جديدة فى مسلسل أمريكى طويل يمكن أن نضع له عنوان «دعونا نعيد تدوير أعدائنا»، حيث تقوم واشنطن -بتأنٍّ شديد- بإعادة هندسة علاقتها مع جماعة الإخوان الإرهابية، ليس بهدف القضاء عليها كما يوحى الخطاب الأمريكى الصاخب، ولكن بهدف تطوير دورها الوظيفى فى منطقة الشرق الأوسط.

وللإجابة عن السؤال: لماذا اجتمع السيناتور كروز مع شهوده الآن، لا بد من العودة بالزمن إلى الوراء قليلاً. ففى نوفمبر من العام الماضى 2025، وقَّع الرئيس دونالد ترامب الأمر التنفيذى بتكليف وزيرَى الخارجية والخزانة بدراسة تصنيف فروع محددة من جماعة الإخوان المسلمين.

وفى يناير الماضى، تحوَّل التكليف إلى واقع ملموس عندما صنَّفت الإدارة فروع الجماعة فى مصر ولبنان والأردن كمنظمات إرهابية.

وهنا تكمن المفارقة، فبدلاً من تصنيف «الجماعة الأم» نفسها، اختارت الإدارة الأمريكية نهجاً تدريجياً وصفه كروز نفسه بأنه «استراتيجية من أسفل إلى أعلى». وكأن واشنطن تقول للإخوان: «نحن لا نريد القضاء عليكم، بل نريد فقط إعادة هندسة العلاقة معكم، بطريقة تخدم مصالحنا».

جاء شهر يوليو الماضى ليضيف فصلاً جديداً، عندما أعلنت وزارة الخزانة استهداف «ثلاثة كيانات خيرية» لقيامها بتحويل أموال لحركة حماس.

وهكذا، خلال سبعة أشهر فقط، انتقلت الإدارة الأمريكية من تصنيف «الإخوان» إلى العقوبات إلى تفكيك شبكات تمويل الجماعة إلى فتح ملف «الشبكة الأمريكية» فى جلسة أغسطس الأخيرة.

ولم ينسَ السيناتور كروز العامل الأكثر إلحاحاً الآن، والمتمثل فى انتخابات التجديد النصفى المقبلة، والتى تُعد استفتاءً شعبياً على أداء إدارة الرئيس دونالد ترامب.

وظهر البعد الانتخابى بوضوح فى خطاب كروز، عندما ركز على فكرة أن الإخوان «مختبئون على مرأى من الجميع» داخل أمريكا، ليلفت انتباه الجميع إلى أن خطر جماعة الإخوان وصل إلى الداخل الأمريكى، وأصبح يهدد النسيج المجتمعى.

اقرأ أيضا: خاص| محلل سياسي فلسطيني: تصريح نتنياهو برفض الانسحاب من غزة «انقلاب على جهود الوسطاء»

الربط المنطقى لما حدث ويحدث وسيحدث قادم الأيام يمكن أن يشير إلى أن الولايات المتحدة تبحث عن عدو مثالى يمكن أن تصارعه و(توظفه) متى تشاء ما دامت تملك مفاتيح هذه اللعبة.

والسؤال الذى يطرح نفسه بإلحاح: لماذا اختارت واشنطن إعادة إحياء ملف الإخوان فى هذا التوقيت بالذات؟
الإجابة تكمن فى ثلاثة أسباب متداخلة، السبب الأول يتعلق بتثبيت سياسة خارجية جديدة تجاه الشرق الأوسط، حيث باتت واشنطن تدرك أن المنطقة تشهد تحولات عميقة، وأن الإخوان يمكن أن يكونوا أداة ضغط على الحلفاء التقليديين (والخليج) ومصر أيضاً، خاصة فى ملفات الترتيبات الأمنية أو رسم خرائط النفوذ. ومن خلال تصنيف فروع الإخوان كجماعات إرهابية، تستطيع واشنطن أن تقول لقادة المنطقة: «انظروا كم نحن جادون فى محاربة عدوكم اللدود»، وننتظر التسهيلات المطلوبة فى ملفات أخرى.

السبب الثانى هو الانتخابات النصفية، ففى ولاية تكساس (على سبيل المثال)، فرضت قضية «أسلمة تكساس» نفسها فى الانتخابات التمهيدية، رغم أن المسلمين هناك يمثلون نسبة ضئيلة من سكان الولاية. وهنا تظهر قدرة السيناتور تيد كروز على المناورة، فهو لا يخوض معركة ضد الإخوان فقط، لكنه يخوضها ضد الديمقراطيين الذين اتهمهم صراحة بـ«احتضان الإرهاب» بعد تكرار مقاطعتهم لجلسات الاستماع. هنا وجه النائب المخضرم ضربة حزبية مزدوجة، للإخوان فى الخارج، وللديمقراطيين فى الداخل.

أما السبب الثالث، والأكثر دسامة، فهو إعادة تعريف التهديد بعد أحداث السابع من أكتوبر، المعروفة بـ«طوفان الأقصى»، فرغم مرور ثلاث سنوات على تلك الأحداث، ما زالت آثارها تتردد فى الجامعات الأمريكية والاحتجاجات الطلابية. والخطاب الجمهورى يحاول الآن ربط هذه الاحتجاجات بـ«شبكة تأثير إخوانية» تراكمت على مدى عقود، ويطرح احتجاجات طلاب جامعة كولومبيا على الحرب فى غزة وكأنها جزء من مؤامرة

إخوانية.

وللحديث بقية.

اقرأ أيضا: قذفوا الشرطة بالحجارة.. ضبط صانعة محتوى وأسرتها بسبب ممارسة البلطجة

‫0 تعليق