ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: أزمة «شنجن» الجدية وانفجار العقد الأيديولوجي في أوروبا

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بينما تنشغل قوى العالم بصراعات جيو-سياسية كبرى تمتد من شرق أوروبا إلى حواف الشرق الأوسط، يتردد في العمق الأوروبي صدى انفجار داخلي صامت، لا تَدوي فيه القنابل التقليدية، بل تتصادم فيه الرؤى والأيديولوجيات. 
إن ما تشهده العلاقات الإيطالية-الإسبانية اليوم ليس مجرد خلاف عابر حول تدفقات الهجرة، بل هو تعبير حي عن تصدع جدار “البيت الأوروبي الواحد”، وانقلاب الحلفاء التاريخيين بعضهم على بعض في سابقة تهدد ركائز اتفاقية “شنجن” التي طالما اعتُبرت رمزاً للوحدة والاندماج الاقتصادي والسياسي.
إن التأمل العميق في مآلات هذه الصراعات يُذكرنا بالسنن الإلهية التي تحكم تجمعات البشر عندما تغيب عنها وحدة الهدف وتطغى عليها المصالح الحزبية والأنانية القومية. وفي محكم التنزيل، يقول الحق تبارك وتعالى واصفاً تشتت قلوب أهل الباطل رغم ظواهر تجمعهم: “تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ “14 (الحشر). 
فها هي الدول الكبرى في غرب أوروبا، التي طالما تباهت بانسجامها المؤسسي، تتنازع اليوم وتتبادل القيود الحدودية، مدفوعة بفتن الاستقطاب الداخلي والحسابات الانتخابية الضيقة.
أولاً: أزمة «شنجن» واشتعال الجبهة الدبلوماسية بين روما ومدريد:
لقد تفاقمت الأزمة بشكل متسارع عقب رفض إيطاليا للإنذار الإسباني النهائي القاضي بإنهاء عمليات التفتيش الحدودية، والتي كانت روما قد فرضتها رداً على أزمة تدفق المهاجرين إلى مدينة “سبتة”. وجاءت ملامح هذا التصعيد على النحو التالي:
المعاملة بالمثل والقيود الحدودية: أعلنت إسبانيا فرض تفتيش عشوائي على المسافرين القادمين من إيطاليا في الموانئ والمطارات.
وفي المقابل، تمسكت حكومة روما اليمينية بموقفها، معلنةً استمرار القيود على القادمين من إسبانيا ممن لا يحملون جنسية إحدى دول الاتحاد الأوروبي.
سابقة عزل غير قانونية: 
يكمن الخطر الأكبر في غياب الغطاء القانوني لهذه الإجراءات داخل أروقة الاتحاد الأوروبي؛ إذ لا توجد نصوص تسمح بعزل دولة أو سحب عضوية “شنجن” قسراً، مما جعل بروكسل تقف في مقعد المتفرج دون تدخل أو وساطة حقيقية.
تجنب الشلل الاقتصادي البري:
يلاحظ المحللون السياسيون أن الدولتين تجرأتا على تعليق تفتيش “شنجن” لكون الصراع ينحصر في حركات الطيران والموانئ، إذ لو كانت هناك حدود برية مشتركة لترتب على ذلك طوابير من الشاحنات تعرقل حركة التجارة البينية وتشل الاقتصادين.
ثانياً: صراع النماذج الاقتصادية والأيديولوجية تحت الطاولة
خلف الستار الظاهر لأزمة المهاجرين، يكمن صراع أعمق بين نموذجين اقتصاديين وسياسيين يمثلان أقصى اليمين وأقصى اليسار في القارة العجوز:
استهداف “نموذج سانشيز”: تشير التحقيقات والوثائق المسربة إلى أن حكومة “جورجيا ميلوني” اليمينية في إيطاليا تسعى بوضوح لتفنيد وتدمير نموذج رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي “بيدرو سانشيز”. هذا النموذج الذي يعتمد على الرفع التدريجي للأجور، وتنويع الطاقات المتجددة، وتسويه أوضاع المهاجرين غير الشرعيين، استطاع تحقيق معدلات نمو اقتصادي تفوق نظيرتها الإيطالية بعدة أضعاف.
التناقض في ملف العمالة: يظهر التناقض الصارخ في السياسة الإيطالية؛ فبينما تهاجم روما مدريد بسبب تسوية أوضاع المهاجرين، قامت حكومة ميلوني نفسها بإصدار مئات آلاف تاشيرات العمل لجلب عمالة من خارج الاتحاد الأوروبي، وتخطط لجلب المزيد في الأعوام المقبلة. غير أن اليمين الإيطالي يرى في السياسة الإسبانية تشجيعاً غير مباشر للهجرة غير الشرعية وتغييراً ديموغرافياً مرفوضاً.
ثالثاً: انهيار الوسط السياسي وصراع النفوذ في البرلمان الأوروبي
يعكس هذا الخلاف المتجذر ظاهرة أشمل تضرب السياسة الأوروبية برمتها، وهي انهيار أحزاب الوسط التقليدية (يسار الوسط ويمين الوسط) لصالح استقطاب حاد وصعود لافت لتيارات أقصى اليمين وأقصى اليسار.
امتداد المعارك إلى بروكسل: 
لا تنفصل هذه الأزمة عن طموحات الأحزاب المحلية في تعزيز كتلها داخل البرلمان الأوروبي. فاليمين الإيطالي يسعى لدعم الأحزاب اليمينية الإسبانية (مثل حزب فوكس) لضمان تشريع قوانين أوروبية تتماشى مع رؤيته السياسية وتفرض قيوداً صارمة على الهجرة والدعم المالي.
انتقال الأزمات لغرب القارة: 
بعد أن اعتاد الاتحاد الأوروبي على صدور المشاكل من دول شرق ووسط أوروبا (مثل المجر وبولندا)، انفتحت الأزمة اليوم بين ركيزتين من كبار اقتصاديات غرب وجنوب أوروبا، مما يضع تماسك بروكسل أمام اختبار حقيقي قد يفوق في تداعياته النفسية والسياسية أزمة “البريكسيت” السابقة.
إن رصانة الموقف الإعلامي تفرض علينا النظر إلى هذه التطورات باعتبارها جرس إنذار مبكر؛ فالخلاف لم يعد مجرد تدابير إدارية على المعابر، بل أضحى شقاقاً نفسياً وسياسياً متجذراً يعكس وهن الروابط المشتركة وتغليب المصالح القومية الضيقة على حساب الاندماج الإقليمي. وسيظل المشهد الأوروبي مفتوحاً على كل الاحتمالات ما دام قطار الاستقطاب مستمراً في دهس المساحات المشتركة.

اقرأ أيضا: عاجل| سعر جرام الذهب عيار 21 اليوم في الصاغة.. تحديث جديد للمعدن الأصفر – الأسبوع

‫0 تعليق