
طوال حرب
غزة وأنا أتنقل بين نشرات الأخبار، فلا أكاد أسمع خبراً يخص إنساناً بعينه. لا اسم
طفل، ولا حكاية أم، ولا وجه أب. في المقابل، صرت -رغماً عني- خبيراً في أنواع
الصواريخ ومدياتها وزوايا سقوطها؛ أعرف ماذا يقول المحللون العسكريون، وماذا يضيف
الخبراء الاستراتيجيون، وماذا يردد المذيعون عن حق الدفاع عن النفس. أعرف كل ما لا
ينبغي أن أعرفه، ويغيب عني كل ما يجب ألا يغيب. هذا التبدّل في طبيعة ما يُقدَّم
إلينا على أنه خبر ليس صدفة، ولا هو من باب حرص المحطات على إحاطة المشاهد
بالأبعاد كافة؛ ثمة صنعة هنا، وثمة قصد، ذلك أن الاحتلال لم يعد في حاجة إلى إنكار
المجزرة؛ فالكاميرات في كل يد، والإنكار لم يعد يجدي، لكنه وجد بديلاً أدهى: أن
يغمر المشهد بوابل من التفاصيل حتى تختنق الحقيقة في مهدها. لا تُخفى الجثة، بل يُبنى
حولها جدار من التحليلات والمعطيات والتقارير، حتى تغدو الجثة مجرد رقم في سيل لا
ينقطع من الأرقام. وهنا تحديداً يدخل علينا وجه آخر من وجوه هندسة الوعي والتلاعب
بالعقول: الإغراق بالتفاصيل.
الفكرة
بسيطة والثمن فادح. للعقل البشري سعة محدودة، فحين تُلقى عليه كمية هائلة من
المعلومات المتناثرة، لا يصبح أكثر وعياً، بل يصير أعمى لا يعرف من أين يبدأ، وهو
ما يسميه علماء النفس الإرهاق الإدراكي. فللعقل طاقة استيعاب لا تتجاوز حداً
معيناً، وما زاد عليه لا يُضف وعياً بل يضيف ضباباً واضطراباً. ومهندسو الوعي
يعرفون هذا ويعملون به؛ لا يكذبون بل يُغرقونك بما هو صحيح وهامشي حتى تضيع عنك
الحقيقة الأصح والأهم.
وقد لاحظ
نعوم تشومسكي في كتابه “الإعلام وصناعة الموافقة” أن الإعلام التجاري لا
يحتاج دائماً إلى الكذب ليُضلل، يكفي أن يُغطي الحدث بتفاصيل متضاربة حتى يستسلم
العقل إلى الارتباك. والباحث الفلسطيني إدوارد سعيد كان يُكرر أن الخطاب الغربي لا
يُبرر الاحتلال بالنفي، بل بالتعقيد. يقولون لك القضية معقدة؛ وكلمة معقدة هنا
ليست وصفاً، هي حكم، يُبرئون الجلاد ويُعجزون الضحية عن فهم ما يُدمّرها. أما عالم
الاجتماع الفرنسي بيير بورديو فقد كتب عن التلفزيون باعتباره آلة تشتيت لا توعية؛ يُعطيك
من المادة ما لا تطيق معه إلا الاستهلاك. وحين يغرق الدماغ في تفاصيل متضاربة
يُصاب بما يشبه الشلل؛ تغضب ولا تعرف على مَن، وتريد أن تفعل شيئاً ولا تعرف ماذا،
فتقعد. وهذا تحديداً ما يريده من يُدير الشاشة.
وقد لاحظت
أن للإغراق في تفاصيل القضية الفلسطينية أربعة وجوه:
الوجه
الأول: عسكري؛ لا يقولون قُتل عشرون طفلاً، يقولون ضربة جوية استهدفت بنية تحتية،
لا يقولون دُمِّرت مدرسة؛ يقولون أُصيب هدف عسكري بالقرب من مؤسسة تعليمية، وتأتي
الخرائط والأرقام وتحليل المدى والدقة. وفجأة، تصير أنت خبيراً عسكرياً بلا شهادة.
تعرف نوع الصاروخ ولا تعرف أسماء الأطفال القتلى، تناقش فعالية الاستهداف ولا
تسأل: لماذا تُستهدف المدرسة أصلاً؟ هكذا تتحول الجريمة إلى مباراة، وتجد نفسك
تناقش قواعد اللعبة ناسياً أن ثمة جثثاً لا لاعبين.
الوجه
الثاني: قانوني؛ يأتي المحلل القانوني يسأل: هل التحذير قبل القصف كافٍ بحسب
القانون الدولي؟ هل المبنى هدف شرعي؟ هل الرد متناسب؟ ويظن المشاهد أنه يتابع
نقاشاً علمياً، لكنه في الحقيقة يتابع عملية تفتيت الجريمة وهي ترتدي ثوب القانون.
فالسؤال انتقل من هل يحق لهم أن يقتلوا إلى هل راعوا الإجراءات وهم يقتلون. وحين
يأتي التحقيق الدولي -إن جاء- يأتي محشواً بأسماء شهود وأرقام ملفات وبيانات
مؤسسات، ثم تُختم الوثيقة بعبارة أخطاء فردية ويُغلق الملف والاحتلال يمضي.
الوجه
الثالث: تاريخي؛ يقولون: انظر إلى السياق، من بلفور إلى أوسلو إلى اليوم. ويبدأ
المذيع في سرد سنوات وأحداث واتفاقيات، وتظن نفسك تفهم لكنك في الحقيقة تُحبَس في
دائرة. السؤال لم يعد لماذا يُقتلون الآن؟ بل أصبح من بدأ قبل ثمانين سنة؟
والتاريخ الذي يجب أن يفتح الأبواب يصير متاهة تدور فيها حول نفسك، وتنسى أن من
يطرد عائلة من بيتها الآن لا يحتاج تاريخ ثمانين سنة ليُدان.
الوجه
الرابع: التوازن المزيف؛ يقول المذيع: ونحن الآن نستمع إلى الطرفين، فيأتي ضيف
يمثل الاحتلال وآخر يمثل الفلسطينيين، ويُعطى كل واحد نفس الدقيقة، ونفس اللهجة
الجادة، ونفس الخلفية الرمادية، وتُعرض المجزرة باعتبارها نزاعاً؛ طرفان، وجهتا
نظر، صراع. لكن هذا ليس صراعاً، هذا احتلال، علاقة قوة غير متساوية، جلاد ومقبوض
عليه. حين تُسوّي بينهما لا تُحايد، تُبرئ الجلاد.
والأمر لا
يتوقف عند الإعلام الغربي. انظر إلى بعض الإعلام العربي، نفس الخرائط، نفس الخبراء،
نفس الحياد، نفس الموضوعية. تُعرض المجزرة كأنها مباراة كرة قدم؛ تحليل عسكري،
سياق تاريخي، توازن، وكلمة معقد تتكرر حتى تصير تعويذة. وهو أخطر من التطبيع
الصريح، لأن ثوب الحكمة أستر للعار من ثوب الخيانة. يقولون إنهم واقعيون ويفهمون
السياق ولا ينحازون بعاطفة، وهم في حقيقة أمرهم يُلبسون الخنوع عباءة الحكمة.
الكاتب
الفلسطيني غسان كنفاني رحمه الله كان يُحذر من هذا قبل عقود، كان يقول إن
البرجوازية العربية تحوّل القضية من مسألة تحرر إلى قضية إنسانية تحتاج حلولاً
واقعية. واليوم يُكمل الإعلام الموجه المسار: القضية لا تُحرر، بل تُحلَّل، والاحتلال
لا يُدان، بل يُوضع في سياقه. والمقاومة لا تُؤيَّد، بل تُوزَّن.
وقد نتج
عن الإغراق بالتفاصيل أربعة أنماط:
أولاً:
صناعة الإنسان الأداة
تجد أحدهم
رجلاً بسيطاً في ظاهر أمره، لا يشغل موقعاً ولا يملك قراراً، لكنه إذا ما جئت إليه
في الصباح وجدته منهمكاً يتقصى أخبار الليلة الماضية: كم صاروخاً أُطلق؟ ومن أين؟
وما مداه؟ يتابع خرائط المواجهات متابعة الصقر، ويعقد المقارنات بين ما قاله هذا
الخبير العسكري وذاك، وينفعل إذا اختلفت التقديرات في شأن إصابة الهدف من عدمها.
تسأله عن أسماء من سقطوا تحت الركام فلا يعرف منهم أحداً؛ لا لأنه قاسٍ، بل لأن
أحداً لم يخبره بهم.
والغريب
في أمر هذا الرجل أنه لا يشعر أنه متواطئ، بل يشعر أنه واعٍ. يقول لك بثقة: أنا لا
أتفرج فقط، أنا أفهم، وهو لا يدري أن هذا الفهم الذي يتباهى به هو بالضبط ما تريده
منه الماكينة. فمهندسو الوعي لا يطالبونه بأن يخرج إلى الشارع، ولا بأن يرفع صوته،
ولا بأن يتبرع أو يقاطع، كل ما يريدوه منه أن يبقى جالساً مشدوداً إلى الشاشة،
يتابع ويحلل ويجادل، حتى إذا أنهكه الجدال لم يبقَ في نفسه ما يكفي للفعل؛ صرف
غضبه كله في التحليل، فلم يعد عنده رصيد للغضب الحقيقي. وهو ليس ضحية بريئة كل
البراءة، فثمة اختيار خفي في أعماقه، لو ووجه به لأنكره، ذلك أن تحليل الصاروخ لا
يكلّف شيئاً، ولا يُغضب أحداً، ولا يعرض صاحبه لخطر. أما السؤال الحقيقي فشيء آخر:
وماذا بعد أن فهمت؟ ماذا ستفعل؟
ثانياً: صناعة
العقل التابع
هل قابلت
مرةً ذلك نصف المثقف المتعالم الذي لا يكاد يبدأ أحدهم في البوح بموقف واضح من
الاحتلال حتى يقاطعه قائلاً: المسألة أعقد مما تتصور؟ هو لا يفعل ذلك عن سوء نية
في الغالب، بل عن قناعة راسخة بأن التعقيد هو ضرب من ضروب الرقي الذهني، وأن
الوضوح ضرب من السذاجة. يمر عليه اليوم تلو اليوم وهو يجمع الوثائق ويقارن
التحليلات ويتتبع التطورات، حتى إذا جلس إلى الناس لم يقدم لهم خلاصة ما فهم، بل
قدم لهم صعوبة الفهم نفسها.
هذا الرجل
لا يكذب عليك، مشكلته أنه صادق مع نفسه إلى الحد الذي أعماه عن ذاته. لقد بنى على
مر السنين صورة لنفسه بوصفه المفكر العميق الذي لا يكتفي بالسطح، فصار أي انهيار
لصرح التعقيد هذا انهياراً لتلك الصورة. ولو اعترف في لحظة تجرد أن الجوهر بسيط (احتلال،
واضطهاد، ومقاومة) لسقط عنه كل ما جمعه، ولاكتشف أنه لم يكن يحلل القضية، بل كان
يختبئ خلفها. إنه تابع، نعم، لكنه تابع اختار تبعيته بنفسه، ثم أطلق عليها اسماً
آخر، لقد سماها استقلالاً.
ثالثاً:
صناعة النفس الهشة
قد يكون
هذا النمط هو الأقرب إلى العوام، إنه ليس صاحب قرار حاد ولا صاحب موقف مُعلن، هو
ذلك الشاب أو الرجل الذي يهتز قلبه كلما رأى مشهداً من غزة، فيطوي الصفحة بسرعة ثم
يقول في سره: لننتظر قليلاً حتى تكتمل الصورة. وهو لا يكذب على أحد حين يقول ذلك،
لكنه يخدع نفسه من حيث لا يشعر. يظن أنه يتحلى بروية العقلاء، والحقيقة أنه يمارس
هروباً بطيئاً لا يصدر عنه صوت. ومأساة هذا الرجل أنه لا يؤجل موقفه مرة واحدة، بل
يؤجله كل يوم، وكلما أجلّه تراكمت عليه الأسئلة، وكلما تراكمت الأسئلة بحث عن
إجابات، وكلما بحث وجد تفاصيل جديدة تستدعي مزيداً من الانتظار. إنه يدور في حلقة
لا يعرف كيف خرج منها، ولا متى دخلها أصلاً. ينتظر اللحظة التي تكتمل فيها الحقيقة
كاملة، فيغضب الغضب الكامل، ويتخذ الموقف الكامل، وتلك اللحظة لا تجيء.
ومهندسو
الوعي يعرفون هذه الثغرة فيه معرفة واثقة، هم لا يريدونه أن يكفر بالقضية، ولا أن
يبرر الاحتلال، ولا أن يتحول إلى بوق دعائي. كل ما يريدونه منه أن يظل على هذه
الحال: متردداً، متأرجحاً، مشغولاً بجمع المعلومات عن الصحيح والخطأ؛ يكفيهم أنه
لا يتحرك. يضخون له كل صباح جرعة جديدة من التفاصيل المتضاربة، لا ليفهم، بل ليبقى
حيث هو. يمر الوقت، وتنقضي السنون، وتجده لا يزال أمام الشاشة، يقلب المحطات
ويقارن التصريحات، يحسب أنه على وشك أن يفهم، والحقيقة أنه شاخ في الانتظار. لم
يعد يملك من القضية إلا متابعتها، ولم يعد يملك من نفسه إلا عادة المتابعة.
رابعاً:
صناعة الكائن الوظيفي
هنا
تحديداً ينتقل بنا الأمر من حالات التلقي الفردي إلى ما يشبه الصنعة القائمة
بذاتها. ففيما نحن منهمكون بمتابعة الشاشات، ثمة أناس كثر صارت هذه الشاشات
بالنسبة إليهم مكان عمل. تجدهم في استوديوهات الأخبار، وفي مراكز الأبحاث، وعلى
منصات الكتابة، يصوغون كل صباح ما يكفي من التحليلات والتقارير والخرائط لتبقى
القضية في المنطقة الرمادية التي لا بياض فيها ولا سواد. المفارقة المرة هنا أن
هؤلاء -بوعي أو بغيره- لا يريدون للصورة أن تكتمل، ولا للحقيقة أن تسطع، ليس فقط
لأن جهات التمويل تأمرهم بذلك، بل لأن وضوح الصورة يعني ببساطة أن الناس ستستغني
عنهم. هم خبراء الغموض، فكيف لهم أن يقتلوا مصدر رزقهم بأيديهم؟
ولا تظن
أن الأمر يقتصر على ذلك الإعلامي المعروف الذي يتنقل بين القنوات براتب من مؤسسة
مشبوهة، كلا، فخلف الكاميرات، وفي أروقة الجامعات، وعلى صفحات الجرائد المحترمة،
ثمة جيش صامت من أساتذة التاريخ الذين يحولون الرواية إلى متاهة لا أول لها ولا
آخر، وكتّاب الرأي الذين يصرون على تسمية الاحتلال نزاعاً، والخبراء الاستراتيجيين
الذين يقضون الساعة بطولها في شرح أبعاد العملية العسكرية ثم لا يمرون على أسماء
الضحايا إلا مرور الكرام، في عجالة من يواري شيئاً. هؤلاء جميعاً يجمعهم قاسم واحد،
لا يحتاجون إلى تعليمات فوقية كي يفعلوا ما يفعلون، فمصلحتهم الذاتية كفيلة بأن
تجعل منهم خفراً على باب هذا الغموض. وكلما ثخن الضباب والاضطراب الذي يلف القضية،
طال أمد بقائهم في المشهد.
ولا
أستثني نفسي؛ فمن يكتب في هذه المواضيع ليس بمنأى عن هذا الفخ. والخروج من هذا لا
يكون بالتخلي عن التفاصيل بل بسؤال واحد يُصاحب كل تفصيلة: هل هذه التفصيلة
تُقرّبني من رؤية الجريمة أم تُبعدني؟ إذا أبعدك تحليل الصاروخ عن الطفل المقتول
فهو تذرير موجه، وإذا حوّل السياق التاريخي الاحتلال إلى نزاع فهو تذرير موجه،
وإذا سوّى التوازن بين الجلاد والضحية فهو تذرير موجه.
والخروج
يبدأ حين ترى العلاقات بين الأشياء لا الأشياء منفردة. أن ترى أن الصاروخ ليس
حدثاً عسكرياً بل هو جزء من آلة احتلال، وأن المجزرة ليست اشتباكاً بل هي سياسة، وأن
التحذير قبل القصف ليس رحمة بل هو تهجير منهجي.
والقرآن
يُعلّمنا هذا النوع من الرؤية. قال تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا”. السير في الأرض ليس جمع
معلومات، هو اكتساب بصيرة ترى البنى، ترى ما تُنتجه الأفعال من نتائج. اسأل نفسك:
هل تطلب التوازن في موقف لا توازن فيه؟ هل تعرف أسماء الصواريخ ولا تعرف أسماء من
ماتوا تحتها؟ هل تناقش فعالية الاستهداف ولا يهزك الدم؟ إن كان الجواب نعم فأنت
لست يقظاً، أنت تحت تأثير هندسة وعي ممنهجة لإبقائك كذلك.
الحقيقة
لا تحتاج خبراء ولا سياقاً ولا تحليلاً، هناك أرض محتلة وهناك محتل، وهناك جريمة
وهناك ضحية، وكل تفصيلة تُبعدك عن الجريمة هي مخدر لضميرك وإغراق لوعيك.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
