هل تعرفني كما أنا…. أم كما كنت؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يتناول المقال تأثير التحولات الكبيرة في الحياة، مثل النجاح المهني أو تغيّر المكانة الاجتماعية، على هوية الإنسان وعلاقاته العاطفية، خاصة تلك التي بدأت في مراحل البدايات الصعبة. يوضح أن نجاح أحد الطرفين لا يكون دائماً سبباً مباشراً لانتهاء العلاقة أو استمرارها، بل إن التغيرات الداخلية لدى كلٍّ منهما،…

اقرأ أيضا: ارتفاع الذهب مع ترقب بيانات تضخم أمريكية.. والأونصة تسجل 4406.34 دولار

تبدأ بعض العلاقات في مرحلة لا يكون فيها الكثير قد اكتمل بعد. وظيفة في بدايتها، دراسة لم تنتهِ، مشروع لا يُعرف إلى أين سيصل، وبيت تتشكل تفاصيله بالتدريج. يمضي شخصان في الطريق معاً، يتقاسمان سنوات المحاولة والضغوط، ويشهد كل منهما مراحل مختلفة من حياة الآخر. ثم تمر السنوات، ويحدث ما كانا ينتظرانه طويلاً، تتغير الظروف، يتحقق النجاح، وتتسع الخيارات، وتصبح الحياة مختلفة كثيراً عن تلك التي بدأت فيها العلاقة. وفي بعض القصص، تتغير العلاقة أيضاً.

قد يبدو الأمر مفارقة للوهلة الأولى. فعلاقة استطاعت أن تعبر سنوات البدايات بما حملته من ضغوط وعدم استقرار، قد تتعثر أحياناً بعدما تتحسن الظروف التي كان الطرفان يسعيان إليها. ولا يكفي ذلك للحكم على أي علاقة أو معرفة أسباب انتهائها، فما يحدث بين شخصين على امتداد سنوات لا يمكن اختصاره في مشهد نراه من الخارج. لكنه يترك سؤالاً يستحق التأمل.. ماذا يحدث للعلاقات حين تتغير حياة أحد طرفيها إلى درجة كبيرة؟

ربما لأن التحولات الكبيرة لا تحدث حول الإنسان فقط، بل تحدث داخله أيضاً. فالنجاح المهني أو المادي، أو الانتقال إلى مكانة اجتماعية مختلفة، لا يغير ما يملكه الإنسان فحسب، بل قد يغير محيطه وخياراته وتوقعاته، والطريقة التي يرى بها نفسه وما يريده من حياته.

وفي علم النفس، يمكن أن تقترب مثل هذه التحولات من مفهوم إعادة بناء الهوية (Identity Reconstruction)، حين تدفع تجربة حياتية كبيرة الإنسان إلى النظر إلى ذاته بصورة مختلفة في ضوء ما أصبح عليه. وهذا لا يعني أن هوية قديمة تختفي لتحل أخرى مكانها، بقدر ما يعني محاولة استيعاب التغير وإعادة فهم الذات في هذه المرحلة الجديدة.

لكن الهوية لا تتشكل بمعزل عن الآخرين. فالشريك الذي عرفنا في البدايات لا يعرف فقط الشخص الذي نحن عليه اليوم، بل يعرف سنوات المحاولة والتردد، وربما الخوف من الفشل واللحظات التي لم تكن فيها النتيجة مضمونة. وقد تمنح هذه المعرفة العلاقة معنى خاصاً لدى البعض، بينما قد يعيد الشريك لدى آخرين إلى الذاكرة مرحلة تبدو بعيدة عما أصبحوا عليه اليوم.

وهنا يظهر سؤال يتكرر كثيراً.. هل النجاح يغير الإنسان أم يكشفه؟ ربما لا يمكن الفصل بين الأمرين بهذه السهولة، فالظروف الجديدة قد تغير شيئاً فينا، كما أنها قد تظهر جوانب لم تكن الظروف السابقة تسمح بظهورها. ومع ذلك، فالنجاح ليس وحده ما يغيرنا، فنحن نتشكل باستمرار عبر العمر والتجارب المختلفة. وإذا كانت التحولات الكبيرة قادرة على تغيير الطريقة التي نرى بها أنفسنا، فمن الطبيعي أن تمتد آثارها إلى علاقاتنا أيضاً.

وتظهر إحدى صور ذلك في قصص نسمعها من حين إلى آخر، عن زوجة شاركت زوجها سنوات الدراسة أو بناء مساره المهني، ثم تغيرت حياتهما بعد وصوله إلى مرحلة مختلفة من النجاح، وبدأت العلاقة بينهما تأخذ شكلاً مختلفاً.

لكن اختزال هذه الصورة في الرجل الذي نجح والمرأة التي دعمته قد يحجب تجربة إنسانية أوسع. فالمشهد نفسه قد يحدث في الاتجاه الآخر، فيكون الزوج هو من يرافق زوجته خلال سنوات الدراسة أو بناء مسارها المهني، يشجعها ويتقاسم معها المسؤوليات، ثم يجد الاثنان بعد سنوات أن التغير لم يمس العمل أو المكانة فقط، بل وصل إلى شكل العلاقة نفسها.

فالسنوات التي غيّرت أحدهما مرت على الآخر أيضاً. ولهذا ربما لا تكمن المسألة فيمن دعم من، أو من وصل أولاً، بقدر ما تكمن في ما حدث للطرفين وللعلاقة أثناء الطريق. فقد تنتهي علاقة بعد نجاح أحدهما دون أن يكون النجاح سبباً في انتهائها، وقد تستمر أخرى رغم تحولات أكبر بكثير.

اقرأ أيضا: ترامب يلمّح إلى إعلان حالة طوارئ بسبب الانتخابات…

كما أن انتهاء العلاقة لا يمحو بالضرورة قيمة ما قدمه أحد الطرفين للآخر، مثلما أن استمرارها لا يعني أن كل شيء ظل كما كان. فقد يبقى الامتنان والتاريخ المشترك حاضرين، سواء استمرت العلاقة أم أخذت مساراً آخر.

فنحن لا ندخل علاقاتنا مرة واحدة ثم نبقى الأشخاص أنفسهم إلى الأبد. نكبر، ونتعلم، ونخسر، وننجح، وتتغير بعض أولوياتنا ونظرتنا إلى أنفسنا والحياة. والشخص الذي اخترناه في مرحلة ما يتغير هو الآخر.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم لماذا يبتعد بعض الأشخاص بعد نجاحهم عمّن شاركوهم البدايات، ولا لماذا يتمسك آخرون بهم أكثر، بل… هل نستمر في رؤية من نحب كما عرفناهم أول مرة، أم نمنح أنفسنا فرصة لاكتشاف من أصبحوا عليه؟

فالعلاقات الطويلة تحتفظ بتاريخ لا يراه الآخرون. هناك من يعرفنا بعدما استقرت ملامح مرحلة من حياتنا، وهناك من عرف تلك الملامح وهي لا تزال تتشكل. من رأى النتيجة، ومن عرف الطريق إليها.

ولا يعني ذلك أن علينا الاحتفاظ بكل علاقة لأنها كانت معنا في البداية. فبعض العلاقات تنتهي، وبعضها يستمر، ولكل منها قصة لا يعرف تفاصيلها كاملة إلا أصحابها. لكن ربما يكون من المهم، وسط انشغالنا بما تغير في حياتنا، أن ننتبه أيضاً إلى ما تغير في الشخص الذي يسير إلى جوارنا.

فالعلاقات التي تبدأ معنا في مرحلة من الحياة، لا يكفيها دائماً أن تتذكر من كنا. ربما تحتاج أيضاً أن تتعرف إلينا من جديد، كلما أصبحنا أشخاصاً مختلفين قليلاً.

اقرأ أيضا: استقرار أسعار الخضار في السوق المركزي الأربعاء

‫0 تعليق