تدخل مجموعة «تاتا» الهندية مرحلة جديدة بعد استقالة ناتاراجان تشاندراسيكاران من رئاسة «تاتا سونز»، الشركة القابضة التي تسيطر على واحدة من أكبر وأوسع المجموعات الاقتصادية في الهند، والتي تمتد أعمالها من الطيران والسيارات والصلب وتكنولوجيا المعلومات إلى الطاقة والتجزئة والخدمات المالية وأشباه الموصلات.
اقرأ أيضا: محافظ بورسعيد يعتمد نتيجة تنسيق رياض الأطفال للمستوى الأول
وبحسب رويترز، أعلن تشاندراسيكاران استقالته بعد عدم حصول إعادة تعيينه على موافقة مجلس الإدارة، في ظل توترات مع «تاتا تراستس»، الذراع الخيرية للمجموعة، الذي يمتلك نحو 66% من «تاتا سونز».
وتسيطر «تاتا سونز» بدورها على أكثر من 30 شركة ضمن المجموعة، ما يجعل التغيير في القيادة ذا أهمية كبيرة لمستقبل إمبراطورية تمتد أنشطتها إلى قطاعات استراتيجية داخل الهند وخارجها.
الطيران.. توسع كبير وخسائر مستمرة
يمثل قطاع الطيران أحد أبرز رهانات «تاتا» خلال السنوات الأخيرة، بعد استحواذ المجموعة على «إير إنديا» في 2022، وتدير المجموعة حالياً «إير إنديا» و«إير إنديا إكسبريس»، بأسطول يقترب من 300 طائرة.
وفي نوفمبر 2024، اندمجت «إير إنديا» مع «فيستارا» بموجب اتفاق بين «تاتا سونز» والخطوط الجوية السنغافورية، ما عزز شبكة المجموعة وحجم أسطولها.
لكن قطاع الطيران لا يزال يواجه تحديات كبيرة، إذ سجلت الشركة خسائر في كل عام منذ استحواذ «تاتا» عليها، بينما تعمل حالياً على تنفيذ خطة تحول متعددة السنوات تتضمن تحديث أنظمة تكنولوجيا المعلومات ومعالجة قيود سلاسل الإمداد.
تمثل السيارات إحدى أهم قصص التحول في المجموعة. فقد انتقلت «تاتا موتورز» من شركة هندية تركز على الشاحنات إلى مجموعة عالمية في السيارات التجارية والمركبات الخاصة والسيارات الكهربائية، خاصة بعد استحواذها على شركة «جاغوار لاند روفر» البريطانية الفاخرة مقابل 2.3 مليار دولار في 2008.
وفي أكتوبر 2025، أكملت «تاتا موتورز» عملية فصل أنشطتها إلى شركتين مدرجتين، إحداهما للمركبات الخاصة والكهربائية، والأخرى للمركبات التجارية.
كما وافقت «تاتا موتورز» في 2025 على الاستحواذ على «إيفيكو» الأوروبية في صفقة نقدية بقيمة 4.36 مليار دولار، ما يوسع حضورها في سوق المركبات التجارية بأوروبا والأمريكتين.
تظل «تاتا كونسلتنسي سيرفيسز» إحدى أهم أصول المجموعة، منذ تأسيسها عام 1968. وتقدم الشركة خدمات تكنولوجيا المعلومات لعملاء حول العالم في قطاعات البنوك والتصنيع والسلع الاستهلاكية والإعلام.
وكانت «تي سي إس» تاريخياً أكبر مصدر للتدفقات النقدية المتكررة إلى «تاتا سونز» عبر مساهمتها الكبيرة في توزيعات الأرباح.
لكن سهم الشركة فقد أكثر من ربع قيمته خلال العام الجاري، مع تراجع إنفاق العملاء على خدمات التكنولوجيا في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
الصلب والطاقة يدعمان التنوع
تعد «تاتا ستيل» من أقدم شركات الصلب في العالم، وتأسست عام 1907، وتمتلك عمليات تمتد من التعدين إلى إنتاج الصلب في الهند وأوروبا. وعززت حضورها العالمي باستحواذها على «كوروس» مقابل 12 مليار دولار في 2007.
وحققت الشركة صافي أرباح بلغ 159.69 مليار روبية، ما يعادل نحو 1.67 مليار دولار، خلال السنة المالية المنتهية في مارس 2026، مقارنة مع 84.23 مليار روبية في العام السابق.
وفي قطاع الطاقة، تدير «تاتا باور» أنشطة توليد ونقل وتوزيع الكهرباء والطاقة المتجددة وتصنيع الطاقة الشمسية وشحن السيارات الكهربائية، مع أكثر من 16 جيجاوات من القدرات المركبة وخدمة أكثر من 13 مليون عميل.
وسجلت الشركة أرباحاً بعد الضرائب بلغت 51.18 مليار روبية في السنة المالية 2026، مقابل 47.75 مليار روبية قبل عام.
من التجزئة إلى القهوة
تمتلك «تاتا» حضوراً واسعاً في سوق الاستهلاك الهندية، من خلال «تايتان» للمجوهرات والساعات، و«ترينت» للتجزئة والأزياء، و«تاتا كونسومر برودكتس» للأغذية والمشروبات، و«فولتاس» للأجهزة المنزلية.
اقرأ أيضا: مسؤولة أممية في لبنان: تمكنا من توصيل المساعدات إلى 1.2 مليون شخص
وتضم محفظتها علامات مثل «تانيشك» للمجوهرات، و«ويست سايد» و«زوديو» للأزياء، و«كرومـا» للإلكترونيات، إضافة إلى منصة «بيج باسكت» للتجارة الإلكترونية.
كما تمتلك المجموعة علامة الشاي البريطانية «تيتلي»، وتعد الشريك المحلي لـ«ستاربكس» في الهند، حيث تدير شبكة تتجاوز 500 متجر في نحو 80 مدينة.
لا تكتفي المجموعة بالقطاعات التقليدية، بل دخلت أيضاً سباق أشباه الموصلات، عبر «تاتا إلكترونيكس»، التي تستثمر في بناء مصنع للرقائق في ولاية جوجارات، ومنشأة لتجميع واختبار الرقائق في ولاية آسام.
وتحظى هذه المشروعات بدعم شركة «بي إس إم سي» التايوانية وموردة معدات صناعة الرقائق الهولندية «إيه إس إم إل»، ومن المتوقع أن تخدم صناعات السيارات والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات الاستهلاكية.
الخدمات المالية والاتصالات
تتوسع المجموعة كذلك في الخدمات المالية من خلال «تاتا كابيتال»، التي تقدم خدمات الإقراض وإدارة الثروات والخدمات المصرفية الاستثمارية، إلى جانب نشاط التأمين عبر «تاتا إيه آي إيه» و«تاتا إيه آي جي».
وفي قطاع الاتصالات والتحول الرقمي، تعمل «تاتا كوميونيكيشنز» في أكثر من 190 دولة، مع توسعها في الحوسبة السحابية والأمن السيبراني والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بينما تمثل «تاتا بلاي» أحد اللاعبين الرئيسيين في خدمات التلفزيون المدفوع والبث الرقمي في الهند.
تكشف خريطة أعمال «تاتا» عن حجم التحدي الذي ينتظر القيادة الجديدة. فالمجموعة لا تدير نشاطاً واحداً يمكن قياس نجاحها من خلاله، وإنما محفظة ضخمة تجمع بين قطاعات ذات نمو سريع مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وأخرى تواجه تحديات هيكلية مثل الطيران والسيارات والصلب وتكنولوجيا المعلومات.
ومن ثم، فإن رحيل تشاندراسيكاران لا يمثل مجرد تغيير إداري، بل يأتي في لحظة تحتاج فيها «تاتا» إلى موازنة التوسع العالمي مع ضبط التكاليف وإدارة الاستثمارات الضخمة، والحفاظ على التنسيق بين شركات المجموعة المختلفة.
ومع امتداد أعمال «تاتا» من القهوة والشاي إلى السيارات والطائرات والصلب والرقائق والذكاء الاصطناعي، فإن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت المجموعة قادرة على تحويل هذا التنوع الهائل إلى قوة تنافسية أكثر تكاملاً، في وقت تشهد فيه الهند تحولاً اقتصادياً وصناعياً متسارعاً.
اقرأ أيضا: رئيس الوزراء يتابع مستجدات الموقف التنفيذي لميكنة منظومة التأمين الصحي الشامل
