من القاهرة إلى مكة.. «عسيلة» توثق محطات درب الحج القديم

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يكشف العثور على بقايا مبنى أثري بمدينة «عسيلة» المندثرة بشمال سيناء، جانبًا جديدًا من تاريخ درب الحاج المصري القديم، الذي لم يكن مجرد طريق لعبور قوافل الحجاج، بل كان شريانًا حضاريًا وتجاريًا امتد عبر سيناء وربط مصر بالحجاز وبلاد الشام.

اقرأ أيضا: معادلة صفرية.. إلى أين تتجه المواجهة بين أمريكا وإيران؟

الكشف الأثري يعكس ارتباط المبنى بوظيفة استراحة وخدمة القوافل في العصر المملوكي، يفتح الكشف الباب أمام إعادة قراءة خريطة محطات الطريق وإحياء ذاكرة مدينة اندثرت، ويؤكد في الوقت ذاته القيمة التاريخية والاستثنائية لدرب الحج المصري الذي لا يزال ينتظر استكمال ملف تسجيله على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

 

– محطة مهمة على درب الحج المصري القديم

 

وكانت بعثة المجلس الأعلى للآثار بمنطقة آثار شمال سيناء للآثار الإسلامية والقبطية، قد كشفت عن بقايا مبنى أثري بمدينة «عسيلة» المندثرة، يرجح أنه كان أحد خانات الطريق التي خدمت القوافل التجارية وقوافل الحجاج المصريين والمسافرين على الدرب السلطاني، المعروف باسم «درب الحاج المصري»، والذي كان يربط مصر بشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أهمية هذا الكشف باعتباره محطة مهمة على درب الحج المصري القديم عبر سيناء، والذي يبلغ طوله 1500 كم، وكانت رحلة السفر من خلاله تستغرق أكثر من شهر.

 

– طريق الحج من مصر إلى مكة

 

وأشار الدكتور ريحان إلى أن درب الحاج المصري كان طريقًا للحجاج المصريين إلى مكة المكرمة عبر سيناء، كما سلكه حجاج بلاد الأندلس وبلاد المغرب وشمال أفريقيا وبلاد التكرور غرب القارة الإفريقية، علاوة على بلاد السودان.

وكان يحج عن طريقه أيضًا مسلمو روسيا وأوروبا، الذين كانوا يأتون من البحر الأسود إلى البحر المتوسط، ثم يتجهون عبر الإسكندرية إلى القاهرة.

وأوضح أن هذا الطريق يمثل رسالة حضارية وتفانيًا في خدمة حجاج بيت الله الحرام، حيث بدأت مرحلة جديدة من إحيائه عندما استعاد السلطان الظاهر بيبرس، الذي حارب الصليبيين لمدة عشر سنوات، مدينة عقبة أيلة، بالأردن حاليًا، من السيطرة الصليبية عام 665هـ/1267م.

وأحيا الظاهر بيبرس درب الحاج المصري عبر وسط سيناء، وأعاده إلى سابق عهده طريقًا للحج، كما قام بكسوة الكعبة وعمل لها مفتاحًا، ثم أخرج قافلة الحج في البر على درب الحاج المصري.

وانتهى بذلك طريق الحجاج عبر صحراء مصر الجنوبية الشرقية عن طريق قوص–عيذاب، وفي عام 667هـ/1268م زار الظاهر بيبرس مكة عن طريق أيلة.

 

– من الريدانية إلى بركة الحاج وعجرود

 

وينوه الدكتور ريحان إلى أن محطات الطريق كانت تبدأ من صحراء الريدانية، بمنطقة العباسية حاليًا، كأرض مكشوفة غير عامرة، ثم إلى بركة الحاج، المعروفة باسمها حتى الآن بالقاهرة الكبرى، ومنها إلى عجرود، قاطعين مسافة 130 كم.

وبلغ حجم القافلة 80 ألف راحلة، دون الدواب الأخرى، وكانت بركة الحاج تضم آبارًا طيبة، وتقام بها سوق عظيمة يقضي فيها الحجاج يومين أو ثلاثة قبل بدء الرحلة، ويتزودون منها بكل احتياجاتهم.

وكانت المرحلة بين القاهرة وعجرود تستغرق ثلاثة أيام، وكان الحجاج يعبرون خمس محطات من بركة الحاج إلى عجرود، تبدأ من بركة الحاج، ثم البويب، والطليحات، والمنفرج، ومراكع موسى، ومنها إلى عجرود، التي كان بها بئر مصنع.

 

– محطات المياه في قلب سيناء

 

واستكمل الحجاج طريقهم عبر سيناء إلى وادي مبعوق، الذي كانت توجد به مصادر للمياه، وقد تميزت محطات الطريق بوجود مصادر المياه لإمداد الحجاج خلال رحلتهم الطويلة.

ومن مبعوق إلى نخل بوسط سيناء كانت الرحلة تستغرق ثلاثة أيام، وفي نخل أنشأ السلطان الغوري خانًا، ونفذ ذلك خاير بك المعمار، أحد المقدمين، عام 915هـ/1509م.

وكان الخان ضيقًا، فتمت توسعته عام 959هـ/1551م، كما كانت بنخل ثلاث فساقي، وهي أحواض مياه مستديرة أو مربعة تتوسطها نافورة تضخ الماء، إلى جانب بئرين، إحداهما بساقية والأخرى بسلم.

 

– نخل.. قلب سيناء النابض في موسم الحج

 

ويتابع الدكتور ريحان أن موكب الحجيج كان يصل إلى نخل، قلب سيناء النابض، والتي كانت تمثل سوقًا عربية مشتركة في زمن الحج.

وكان ينصب بها سوق كبير، وأفران لإنتاج الخبز، وتأتي إلى السوق الجماعات البدوية من سيناء، وبذلك تتوافر للحجاج مجموعة من الخدمات في نخل، من حيث الإقامة في خان في ظل حماية الحراس، وتوفير المياه العذبة الكافية من الآبار والفساقي.

وقد وصف الرحالة، ومنهم الزياني في رحلته الحجازية، نخل، وأبدى تعجبه من كثرة الفواكه الشامية بها، ومنها السفرجل والرمان والعنب، والخيرات الكثيرة وما يحتاج إليه الحجاج من المؤن، والقرب المملوءة بالماء البارد.

ويعطي ذلك صورة عن الحركة التجارية في نخل خلال زمن الحج، وما كان يصل إليها من قوافل تجارية تجلب سلع الشام التي يحتاج إليها الحجاج.

 

– من نخل إلى عقبة أيلة

 

ومن نخل، واصل الحجاج طريقهم إلى حسد الحي، وبئر بيدرا، وثمد الحصا، وظهر العقبة، وسطح العقبة، وهو عرقوب البغلة، كما وصف هذه المحطات المؤرخون.

ومن بينهم الجزيري، الذي ذكر المحطات من نخل إلى وادي الفيحاء، ويسمى وادي القريص، وعراقيب البغلة، وثمد الحصى، وسطح العقبة، وصولًا إلى عقبة أيلة.

كما ذكر أن مدة الإقامة بعقبة أيلة كانت ثلاثة أيام، وينصب فيها سوق كبير يضم البضائع والفواكه القادمة من غزة والقدس والكرك، إلى جانب الأغنام والجمال والبغال والماشية والسمن والعسل والزيت وسائر الحبوب والأقمشة، وكان يأتي إليها الحجاج والتجار، بما يجعلها موسمًا يتكرر كل عام.

 

– «دبة البغلة».. محطة مهمة على طريق الحجيج

 

ولفت الدكتور ريحان إلى محطة مهمة من محطات درب الحجيج، تقع بين نخل والنقب، ويطلق عليها «دبة البغلة» أو «مقعد الباشا».

وقامت منطقة جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية بترميمها منذ سنوات، وأحاطتها بسور على الطراز الإسلامي، ولدرجة أن الحجاج والمعتمرين المارين بهذا الطريق، في الطريق البري الحديث إلى ميناء نويبع ومنها إلى العقبة، يعتقدون أنها ولي من أولياء الله الصالحين، وينزلون إليها لقراءة اللوحة الخاصة بالآثار والتعرف على حقيقة هذه العلامة المهمة في طريق الحج القديم المستخدم حتى الآن.

اقرأ أيضا: رئيس مركز تغير المناخ يحذر من ارتفاع الحرارة.. ويوجه نصائح للمواطنين

 

– الطريق من أيلة إلى مكة المكرمة

 

ومن عقبة أيلة كانت قافلة الحجاج تسير بمحاذاة البحر الأحمر إلى الجنوب، مرورًا بحقل، ومدين، وينبع، وبدر، ورابغ، وبطن مر، ثم مكة المكرمة.

وظل درب الحاج المصري مستخدمًا حتى أُبطل سيره وتحول إلى الطريق البحري عام 1303هـ/1885م.

 

– الدرب السلطاني.. طريق للحجاج والتجار والجيوش والبريد

 

وأشار الدكتور ريحان إلى أن الدرب السلطاني عبر شمال سيناء لم يكن مخصصًا للحجاج فقط، بل كان طريقًا للحجاج والتجار والجيوش والبريد، وبنيت المنشآت الخاصة بمحطات الطريق من المواد المتوافرة في البيئة السيناوية، ومنها الطوب اللبن الذي يصنع من الغرين الذي تحمله السيول من أعلى الجبال والأودية بعد الأمطار الغزيرة.

كما استخدم الطوب الأحمر الناتج عن حرق الطوب اللبن، وانفرد الطريق بميزة خاصة في المواقع الساحلية، وهي استخدام الأحجار الكلسية أو الحجر الجيري، وهي صخور رسوبية تتكون أساسًا من كربونات الكالسيوم، وغالبًا ما تنشأ من تراكم بقايا الأحياء المائية وقواقع المرجان، وتتميز بلونها الفاتح.

وهذا ما يلاحظ في المبنى المكتشف بعسيلة، الذي استخدم في بنائه الطوب الأحمر والطوب اللبن والأحجار الكلسية.

 

– خان الخوينات ومقارنة مع المبنى المكتشف

 

ويعد خان الخوينات إحدى المحطات التجارية المهمة بشمال سيناء، وبالمقارنة مع المبنى المكتشف في عسيلة، فإن ذلك يدعم فرضية استخدامه كمحطة لاستراحة الحجاج والتجار على الدرب السلطاني.

وتقع بقايا مبنى خان الخوينات شمال قرية مزار بحوالي 25 كم بشمال سيناء، على مساحة 3000 متر مربع، وكان مبنى تجاريًا في العصر المملوكي، وكان مدخله الرئيسي في منتصف الضلع الشمالي، وعلى يسار الداخل حجرة حراسة.

 

– اللقى الأثرية تكشف وظيفة مبنى عسيلة

 

واختتم الدكتور ريحان بالإشارة إلى أن اللقى الأثرية التي أسفر عنها كشف عسيلة تميزت بارتباطها بوظيفة المبنى، ومن بينها الأواني الفخارية المستخدمة لتخزين المياه والمؤن لإمداد الحجاج ومساعدتهم على مواصلة المسير، كما يرجع تأريخها إلى العصر المملوكي، وهو العصر الذي ازدهر فيه درب الحاج المصري بسيناء، وشهد بناء العديد من المنشآت لخدمة الحجاج، ومن أشهرها خان نخل والخان المكتشف بمدينة عسيلة.

 

– كشف يعيد مدينة مندثرة إلى دائرة الضوء

 

ويمثل الكشف إحياءً لمدينة مندثرة كان لها دور كبير في خدمة حجاج بيت الله الحرام، كما يضيف معلومات جديدة حول أهمية الطريق الذي يعد قيمة عالمية استثنائية، وهو موضوع على القائمة التمهيدية لليونسكو، وينتظر إعداد ملف لتسجيله تراثًا عالميًا ثقافيًا منذ سنوات.

جدير بالذكر أن آخر موقع تم تسجيله تراثًا عالميًا ثقافيًا باليونسكو هو مدينة سانت كاترين عام 2002، ومنذ ذلك الوقت لم يتم إضافة أي موقع جديد تراث ثقافي مادي، وما يتم تسجيله هو تراث ثقافي لامادي، وآخره الكشري.

اقرأ أيضا: برلمانية: ظاهرة «بيع الهواء» كارثة.. ويجب التحقق من هوية القائمين عليها

‫0 تعليق