
توجه جديد لتوفير الأموال لسداد ديون الحكومة المصرية وترقيع موازنة البلاد التي تعاني عجزا دائما، أقره رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، الاثنين، لكنه وفق مراقبين ينضم إلى قائمة السياسات الخاطئة التي تأكل من رصيد الأجيال القادمة كبيع الأصول ومواصلة الاقتراض والمشروعات غير ذات الجدوى.
اقرأ أيضا: ما قصة “الخلية الإرهابية” التي أثارت جدلا في سوريا؟ الداخلية حذفت البيان
والاثنين، أعلنت الرئاسة المصرية، موافقة السيسي على مقترح إصدار “صكوك ضريبية” يمولها دافعو الضرائب، على أن تخصم قيمتها من التزاماتهم الضريبية المستقبلية، ويكون العائد عليها بسعر جيد ومناسب، وبما يساهم في توفير سيولة للدولة وخفض الاحتياجات التمويلية وتقليل الحاجة إلى الاقتراض الخارجي ومن ثم خفض فاتورة خدمة الدين، ما اعتبره خبراء تكرار لنظام المقايضة الذي اعتمده الخديوي إسماعيل في القرن الـ19 وأدى لوقوع البلاد في مخاطر سيادية.
والصكوك الضريبية أداة تمويل حكومية (أوراق مالية اسمية متساوية القيمة، تصدر لمدة محددة) تتيح لدافعي الضرائب من الشركات والأفراد تقديم سيولة مالية مبكرة للخزينة العامة مقابل الحصول على صكوك بعائد مناسب أو (حصة شائعة في ملكية أصول أو منافع أو حقوق أو مشروع معين أو حقوقه أو التدفقات النقدية له)، على أن تُخصم قيمة هذه الصكوك الضريبية المستحقة عليهم في المستقبل.
تلك الآلية التي جرى طرحها خلال اجتماع ضم السيسي، برئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير المالية أحمد كوجاك، في القصر الرئاسي بمدينة العلمين الجديدة، تعمل بصورة تشبه إلى حد كبير دفعة مقدمة أو قرضا مضمونا بالضرائب، إذ تحصل الحكومة على الأموال في الوقت الحالي لتغطية احتياجاتها، بينما يحصل الممول على فائدة أو عائد.
اظهار أخبار متعلقة
ويعد الاكتتاب في الصكوك الجديدة عبر سداد مقدم للمستحقات الضريبية، أداة تمويلية منصوص عليها في قانون الضريبة على الدخل المادة (115) من القانون 91 لعام 2005، الذي يمنح وزير المالية سلطة إصدار هذه الصكوك وتحديد عائدها المعفى من الضرائب، ليمثل قرار السيسي، التنفيذ الأول لها.
بديل أكثر استقرارا
نظريا وبحسب محللين، فإن مقترح الصكوك الضريبية التي تأخذ حكم النقود والشيكات المصرفية مقبولة الدفع، يوفر تمويلا جيدا قد يقلل اعتماد الحكومة الدائم على الاقتراض من البنوك المحلية بشكل مباشر أو عبر طرح أذون الخزانة، ورغم أنه حل يزيد من الضغوط على الممولين والشركات بدفع حصصها الضريبة قبل موعدها إلا أنه يمنحها فرصة تحقيق بعض الأرباح من عوائد ضرائبهم المدفوعة مقدما.
وتتوقع الحكومة أن تسهم هذه الأداة المعفاة من الضرائب في خفض تكاليف الاقتراض وفاتورة خدمة الدين العام، لتطرح بديلا أكثر استقرارا لأذون الخزانة التقليدية، وفق تعليق نشرة “انتربرايز”، التي ذكرت العديد من فوائد هذا التمويل مؤكدة أن كل إصدار سيحمل عائدا ثابتا ومعفى من الضرائب طوال أجله، على أن تحدد وزارة المالية سعر العائد قبل كل طرح بناء على سعر الائتمان والخصم لدى البنك المركزي المصري وظروف السوق السائدة وقت الطرح.
ولفتت إلى أن الإصدارات اللاحقة قد تحمل أسعار عائد مختلفة مع تغير ظروف السوق، مما يساعد في إبقاء هذه الأداة جاذبة للممولين لضخ فائض السيولة بها بدلا من استثماره في أدوات أخرى”، ناقلة عن رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس هاني جنينة، قوله إن الشركات “ستقارن هذه الصكوك بأذون الخزانة كبديل لاستثمار أموالها”، واصفا إياها بأنها خيار إضافي “للتخصيص الأمثل للفائض النقدي لديها”.
وحول توجه الحكومة لهذا الأمر، أوضح جنينة، أن “البنك المركزي انسحب من سوق التمويل”، وتعرّض الجهاز المصرفي لضغوط تمويلية شديدة، وأن مشاركة المستثمرين الأجانب في سوق أذون الخزانة أصبحت “متذبذبة” في ظل التوترات الإقليمية، وهو ما يجعل سيولة الشركات خيارا “أكثر استقرارا وأمانا” للدولة لسد الفجوة التمويلية الضخمة.
ومن المقرر أن تصدر وزارة المالية أدوات دين سيادية جديدة بنحو 3.4 تريليون جنيه في مقابل فجوة تمويلية تبلغ 4 تريليونات جنيه خلال العام المالي الحالي، في وقت تلتهم فيه مدفوعات الفائدة ما بين 70 إلى 80 بالمئة من الإيرادات الضريبية، فيما أصدرت الوزارة أدوات دين مختلفة بقيمة 1.4 تريليون جنيه بالأسابيع الستة الأولى من العام المالي الحالي.
اقتراض مستتر عالي الكلفة
وفي تقييمه الاقتصادي لفكرة جمع الضرائب من الممولين قبل موعد استحقاقها تحدث الخبير الاقتصادي والاستراتيجي الدكتور علاء الدين سعفان، إلى “عربي21″، موضحا أن “هذا القرار العشوائي كالعادة لا يمثل مجرد أداة مالية مبتكرة كما يُروّج له، بل هو في جوهره استنزاف خطير لمالية الغد لتغطية عجز اليوم”، موضحا أنه “اقتراض مستتر عالي الكلفة يرهن الإيرادات السيادية المستقبلية لتغطية عجز اليوم، وتعكس عجزاً تاماً عن إدارة الموارد”.
اظهار أخبار متعلقة
رئيس الأكاديمية المصرفية الدولية واستشاري تخطيط وتطوير وتمويل وتنفيذ وإدارة المشاريع الحكومية والخاصة والأوقاف الاستثمارية قال إن “منح الممولين عوائد وخصومات تشجيعية يقلل الحصيلة الفعالة للخزانة مستقبلاً، ويزيد فاتورة خدمة الدين التي قفزت لـ 5.23 تريليون جنيه لعام (2026/2027) بالتوازي مع دين خارجي قارب 164.78 مليار دولار، مما يمثل استنزافاً لمالية الغد دون تقديم أي حلول إنتاجية”.
ولفت إلى أن “لجوء السلطة التنفيذية إلى تحصيل ضرائب السنوات القادمة مقدماً يعكس عجزاً تاماً عن ابتكار الحلول وفشلا في إدارة الموارد وإفلاساً في تقديم أي حلول إنتاجية، مما يضع الموازنات القادمة للدولة في مواجهة جفاف مالي محقق يُسقط قدرتها على تلبية أدنى الخدمات الأساسية. ولست مستغربا أداء حكومة تم اختيارها بعناية لاستكمال تدمير البلاد وفق أجندة الكيان الصهيوني”.
الخسائر المستقبلية
وأشار إلى الخسائر الاقتصادية المترتبة على سحب أموال المستقبل قبل موعدها لسداد فاتورة الدين، مبينا أن “ذلك يتسبب في تجريف السيولة لدى الشركات، وتعميق حالة الركود الحاد الذي يعانيه السوق المحلي رغم تجاوز عدد السكان (بالداخل) 110 ملايين نسمة، وذلك بسبب تهاوي القدرة الشرائية للجنيه وتراجع إيرادات قناة السويس والسياحة والصادرات”.
واعتبر أن “استقطاع ضرائب عن أرباح غير محققة قد يدفع الشركات نحو الخسائر التشغيلية وربما إلى الإفلاس، وقد يقضي على جزء كبير من القاعدة الضريبية المستدامة لصالح سداد ديون أنفقت عشوائياً على مشاريع غير إنتاجية”.
وقال إن “تحويل إيرادات المستقبل لسداد ديون استدانها النظام وأنفقها عشوائيا بلا أدنى دراسة ولا أي رقابة على مشاريع غير إنتاجية ولا تتمتع بأي جدوى اقتصادية، ينطوي على مخاطر على أجيال متلاحقة من أبناء شعبنا بصورة غير مسبوقة، حيث سيجد المواطن المصري نفسه مستقبلاً بلا خدمات حكومية، ومطالباً في الوقت ذاته بتحمل موجات متتالية من التضخم والرسوم المبتكرة لسد الفجوات التمويلية المتجددة بل وبسداد قيمة هذه الصكوك التي ستكون قد تبخرت بلا أي فائدة”.
سعفان، وفي تقديره لمخاطر ذلك التوجه يرى أنه “يحرم الأجيال الحالية والقادمة من استحقاقاتها الدستورية في التمويل المخصص لقطاعات الصحة والتعليم والمرافق والبنية التحتية”.
وأكد أن “بيع المستقبل لترقيع موازنة اليوم يترك المواطن مستقبلاً بلا خدمات حكومية، وسيكون مُطالباً في الوقت ذاته بتمويل أعباء فوائد صكوك تبخرت حصيلتها، مما ينطوي على مخاطر جيلية غير مسبوقة تكرس الفقر وتدهور المستويات المعيشية والاجتماعية”.
ما البديل؟
ووفق رؤيته الاقتصادية، ذهب الخبير المصري لرصد البدائل التي يجب أن تتمسك بها الحكومة المصرية عن سياسات الجباية والاقتراض وبيع الأصول، مشيرا إلى أن “البديل من وجهة نظري يكمن في رسم خارطة طريق استراتيجية تبدأ بتوحيد الموازنة العامة، وإلغاء الصناديق الهيكلية الموازية، وإخراج الجيش تماماً من المعادلة الاقتصادية والتجارية لإنهاء سحق القطاع الخاص بين مطرقته وسندان التمدد الإماراتي”.
وتابع: “كما يتطلب الأمر وقف التفريط في الأصول الوطنية، ودعم القطاعات الإنتاجية بشكل عام بما فيها القطاع الخاص والقطاع التعاوني وقطاع الأوقاف الاستثمارية، وتطوير قطاع الأعمال العام وإصلاحه ودعم شركاته وليس تصفيته وبيعه”.
اقرأ أيضا: دراسة: نصف الاسكتلنديين يؤيدون الانفصال عن بريطانيا
كما يرى، سعفان أيضا بـ”ضرورة تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة تحت رقابة نيابية منتخبة شعبياً بطريقة حرة ونزيهة”، مؤكدا أنه “لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون مصالحة مجتمعية شاملة، وإطلاق سراح أكثر من 100 ألف معتقل، ورفع القيود الأمنية، وإعادة الاعتبار للمواطن باعتباره السيد الحر في وطنه”.
عوار الفكرة تاريخيا
وفي السياق، طالب مختصون في ملف الضرائب، الحكومة بالكشف عن الكثير من التشابكات بين: الممولين، ومصلحة الضرائب، والحكومة، وإيضاح تفاصيل آلية الإصدار، وشروط الاكتتاب، والعائد عليه، وطرق خصمه من المستحقات الضريبية، وكيفية صرف العائد وطرق تحديد قيمته سنويا، ومن يحق له شراء الصكوك والحد الأقصى للصك، ومدته، وهل الأمر اختياري أم إلزامي؟.
اظهار أخبار متعلقة
وتبارى خبراء في كشف عوار تطبيق فكرة الصكوك الضريبية، مشيرين إلى أنه تشبه “نظام المقابلة” الذي أقره الخديوي إسماعيل عام 1871، بأن يدفع أصحاب الأطيان ضريبة أراضيهم مقدما عن 6 سنوات، مقابل إعفائهم من نصف الضريبة، لكنه ووفق ما ذكره المؤرخ المصري عبدالرحمن الرافعي، بكتاب “عصر إسماعيل”، وبعد أن حصلت الخزينة مبالغ طائلة تم تحصيل الضرائب كاملة بالعام التالي، ولم يسترد الملاك ما دفعوه، قبل أن يُلغى القانون عام 1880.
وقال الأكاديمي الدكتور مدحت نافعة، إن تطبيق “نظام المقابلة”، شابه الكثير من الصعوبات، موضحا عبر فيسبوك: “كان الهدف توفير سيولة عاجلة للخزانة في مواجهة أعباء الديون، لكن المشكلة أن الدولة كانت في الواقع تستهلك إيراداتها المستقبلية مقدما دون أن تخلق في المقابل موردا جديدا للسداد” مبينا أن “المقابلة تحولت من أداة لتخفيف أزمة السيولة إلى ترحيل الأزمة المالية إلى المستقبل، خصوصا بعدما ارتبطت حصيلتها بخدمة الدين”.
وحذر البرلماني السابق زياد العليمي، من خطورة اقتراح إصدار “الصكوك الضريبية”، مشيرا إلى أن ذلك يرسل إشارات سلبية للمستثمرين حول صعوبة الوضع الاقتصادي، ويُعيد إلى الأذهان التبعات الكارثية لـ”نظام المقابلة” بعهد الخديوي إسماعيل، والذي أدخل مصر في متوالية ديون وإنشاء “صندوق الدين”، وانتهى بتدخل القوى الأجنبية في الموازنة، وإلغاء القانون دون تعويض الممولين، وصولا إلى الاحتلال الإنجليزي.
وتحت عنوان: “ما أشبه اليوم بالبارحة”، أشار السياسي مجدي حمدان إلى النتيجة التاريخية لتطبيق ذلك النظام، ملمحا إلى أن “الدولة اضطرت لبيع حصتها بقناة السويس (البالغة 44 بالمئة من الأسهم) للحكومة البريطانية مقابل 4 ملايين جنيه إسترليني لتغطية سداد أعباء القروض”.
وحذر البعض من أن يقوم الممولون بخفض قيمة الضريبة الواجب دفعها غالبا، وبالتالي ما يتم تحصيله كصكوك ضريبية قد يكون خصما من الحصيلة الضريبية، غير أن الممول صاحب الصكوك سيحصل على فوائد مقابل رصيد صكوكه، متوقعين ضعف الاستفادة الحكومية بنقص الحصيلة الضريبية ودفع فوائد عن رصيد الصكوك.
اقرأ أيضا: بارتفاع 20%.. عدد رحلات تطبيقات النقل يصل إلى 38.3 مليون رحلة بالربع الثاني من 2026
