
تتعمق الانقسامات داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي بصورة متزايدة، على المستويات السياسية والاجتماعية والعرقية والدينية والحزبية، بما ينذر بمزيد من الشرذمة في دولة باتت تشهد نشوء كيانات متعددة داخلها، إلى جانب تراجع فاعلية القانون واتساع الاحتجاجات والصدامات بين مكوناتها المختلفة.
اقرأ أيضا: وفد أمني عراقي يزور السعودية غدا
وفي هذا الإطار، يقدم الكاتب في موقع “واللا”، نير كيبنيس، تشخيصا لهذا الواقع، قائلا إن “إسرائيل دولة تشهد نشوء المزيد من الدول داخلها، فهناك دولة المستوطنين، ودولة الحريديم، ودولة تل أبيب، وغيرها”.
ويوضح أن القبائل كانت موجودة دائما، لكن الجميع كان يخشى في السابق سيادة القانون، بينما لم يتم، حتى كتابة هذه السطور، إجلاء من وصفتهم وسائل الإعلام بـ”المتطرفين اليهود” من القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية، بما يعني، وفق رأيه، غياب القانون على الأرض.
ويضيف كيبنيس، في مقال ترجمته “عربي21″، أن “مثيري الشغب من المستوطنين يعلمون بأنهم يحظون بدعم حلفائهم في النظام السياسي”، ولا سيما عشية الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود، فيما لن تتدخل الشرطة أيضاً، لأن الوزير المسؤول عنها “واحد منهم”.
وقبل أيام، في شمال البلاد، حاول عدد من المتطرفين من المعسكر السياسي نفسه التسلل عبر الحدود السورية واللبنانية، وانطوت عملية إجلائهم على مخاطرة بحياتهم وحياة الجنود.
ومن السهل، بحسب الكاتب، إلقاء اللوم على اليمين المتطرف، نظراً إلى سجله الحافل بتجاوز حدود القانون، لكن على الجانب الآخر من القانون، هناك أشخاص تحولوا إلى ما يشبه النمور، وقطعوا الطرق والتقاطعات. كما شهدت البلاد مظاهرات عنيفة من أفراد الجالية الإثيوبية، بعد حادثة إطلاق النار التي أودت بحياة أحدهم، إلى جانب احتجاجات كابلان ضد الانقلاب القانوني، واحتجاجات عائلات المختطفين، وغيرها.
اظهار أخبار متعلقة
ولا تتوقف مظاهر الاحتجاج عند ذلك، إذ شهدت الدولة أيضاً مظاهرات الحريديم. وفي البداية، حاولوا إقناع الجمهور بأنهم مجرد حفنة، لكن الاحتجاج يبدو الآن متغلغلاً بنجاح في التيار الرئيسي للحريديم أيضاً، رغم أنهم نجحوا في منع افتتاح مركز رياضي بزعم وجود مجمعات مختلطة للنساء والرجال.
ويرى الكاتب أن المحتجين من جميع الأنواع والأجناس تبدو لديهم حجج وجيهة، دون أن يبرر ذلك عنف الشرطة القائم على أساس عنصري.
إسرائيلي عالق بين معسكرات متصارعة
وفي خضم هذه المشاهد، ينظر الإسرائيلي العادي إلى ما يجري ويشعر بالحرج؛ فهو، وفق الكاتب، ليس معاديا لمشروع الاستيطان بحسب جميع استطلاعات الرأي، لكنه على يقين بأن اليمين المتطرف الذي يمارس الإرهاب لا يزال قادرا على إلحاق دمار هائل بدولة الاحتلال.
وفي الوقت نفسه، يوافق على ضرورة إصلاح النظام القضائي بصورة لائقة، لكنه يدرك أن الانقلاب القانوني الذي قاده نتنياهو وليفين لم يكن موجها إلى النظام القضائي ككل، بل إلى تخليص نتنياهو من المحاكمة.
ويخلص الكاتب إلى أن دولة الاحتلال باتت أمام دولة لم تعد قادرة على التعامل مع واقع تحول إلى فوضى؛ فهي تقر بأن الحق في الاحتجاج حق أساسي، لكنها لا تفهم بأي حق يُمنع شخص من المرور في طريقه لاصطحاب أطفاله من الروضة، أو لإجراء فحص طبي، أو لقضاء عطلة في مطار بن غوريون، أو لحضور عرض في الحديقة.
اظهار أخبار متعلقة
اقرأ أيضا: السودان يشتعل من جديد.. ميليشيا الدعم السريع تهاجم الأبيض ومسيرات تضرب العاصمة
وتفتقر حكومة الاحتلال إلى دستور، وهو ما ينذر بالكثير من المشكلات، لكن المشكلة، وفق الكاتب، تكمن أيضاً في أن حتى القوانين الموجودة لا تُطبق بفعالية.
صراع على الهوية يهدد وحدة الدولة
ويتجاوز الانقسام الخلافات السياسية اليومية ليطال مفهوم الهوية الإسرائيلية، وأحيانا الهوية اليهودية أيضاً، التي تخوض، بحسب كيبنيس، “لعبة محصلتها صفر”، بمعنى أن أحد المعسكرين يخسر كلما ربح المعسكر الآخر.
ومع عدم استعداد أي من الطرفين في هذه “الحرب الباردة” للاستسلام، تنشأ ديناميكية انفصال داخل بلد مكتظ للغاية بحيث لا يمكن تقسيمه إلى كانتونات، وكانت القبائل موجودة دائما بين شعب دولة الاحتلال، ليس فقط في العصور التوراتية، وإنما أيضا بعد إقامة الدولة، ويكفي تذكر “خطاب القبائل” الذي ألقاه الرئيس السابق رؤوفين ريفلين عام 2015.
اظهار أخبار متعلقة
وتتجسد هذه الانقسامات في مشاهد متزامنة، فمستوطنون متطرفون يحاصرون قرية فلسطينية، ويسخرون، في أحسن الأحوال، من جيش الاحتلال الإسرائيلي، بينما يستخدم الحريديم المتطرفون حق النقض ضد قوانين الدولة، ويقطعون طريقاً رئيسياً لمجرد إلقاء القبض على جندي فار من الجيش لا يدرس التوراة وفقاً للقانون.
وفي المقابل، تبدو حركات الاحتجاج المنتمية إلى اليسار والوسط صامتة، على الأقل في الوقت الراهن، بسبب الأمل في فوزها بالانتخابات.
وتكشف هذه الصورة عن حالة تشرذم متصاعدة داخل دولة الاحتلال، إذ يتسع الشرخ السياسي والاجتماعي والهوياتي مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، لتبدو دولة الاحتلال بصورة متزايدة كأنها مجموعة من الكيانات المتصارعة التي تعيش داخل دولة واحدة.
اقرأ أيضا: لأول مرة منذ 120 عاماً.. كسوف كلي نادر للشمس يعبر أوروبا وجزئي يلامس شمال أفريقيا
