
جاء
في التنزيل الحكيم: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ”،
وذلك في سياق مخاطبة سيدنا موسى لسحرة فرعون في سورة سيدنا يونس، عليهما وعلى
نبينا الصلاة والسلام. والنص القرآني -لدى المؤمنين به- يُعتبر فيه عموم اللفظ لا
خصوص السبب، فلا ينحصر غرض النص في حدود الواقعة المذكورة، أو التي نزل بسببها
النص، بل يتعداهما ويدخل تحت الحكم أو النص ما يناظره من الأحوال والوقائع. وفي
المسألة تفصيل لا يناسب الموضع.
اقرأ أيضا: “OpenAI” تطلق تطبيق تشات جي بي تي رسمياً لنظام لينكس
والفَسَادُ:
“خروج الشيء عن الاعتدال، قليلا كان الخروج عنه أو كثيرا، ويضادّه الصّلاح”.
أما الإفساد فهو “جَعْلُ الشيء فاسداً خارجاً عما ينبغي أن يكون عليه وعن
كونه منتفعا به. وفي الحقيقة هو إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح”.
ما
يستدعي هذا الحديث، ذكرى مجزرة رابعة العدوية في مصر عام 2013، وهي أقبح وأسوأ ما
حدث في التاريخ المصري الحديث، وقد نتجت عن انقلاب عسكري قاده حاكم مصر الحالي،
ومنذ ذلك اليوم لم تجد مصر خيراً يُرجى، مصداقاً لقول الله: “إِنَّ اللَّهَ
لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ”، ولا إفساد أعظم من قتل النفس
“التِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ”، والنفسُ عظَّمَ اللهُ قدْرَها،
وجعل إيذاءها أو إزهاقَها موضع الحساب الأول يوم القضاء بين العباد، ففي الحديث
النبوي: “أوَّلُ ما يُقضى بينَ النَّاسِ يَومَ القيامةِ في الدِّماءِ”.
شمل
الفساد في مصر النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وحتى الدينية. والواقع
الاقتصادي أكثر ما يظهر للعيان نتيجة إحساس معظم المصريين بالأوضاع الاقتصادية
المتردية، لكن النظام الحالي يلجأ إلى التحسين الصوري للأرقام التي تظهر في
الميزانيات عبر كارثة طويلة الأمد، فيخصص الأراضي وأجزاء من القطاعات الصحية
والتعليمية والصناعية والزراعية لغير المصريين، فيبيع أصول الدولة وحاضرها
ومستقبلها، بثمن بخس ماليّاً، وبخس معنويّاً؛ وهو بقاؤه في الحكم.
نتيجة
هذه السياسة، تسيطر الإمارات على بقاع في الساحل الشمالي الذي يتميز بطبيعة خلابة
ومياه ساحرة، وستتسلم شركة إماراتية أيضاً 642 فداناً من أرض الجفيرة في الساحل
الشمالي، وهي المساحة التي خصَّصها السيسي عام 2023 لبنك الاستثمار القومي، الذي
يعمل على “تمويل المشروعات المدرجة بخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية كافة،
وذلك عن طريق الإسهام في رؤوس أموال تلك المشروعات، أوعن طريق مدها بالقروض أو غير
ذلك من الوسائل”. ونتيجة غرق مصر في الديون فإن السيسي يختار بيع الأراضي، أو
توقيع عقود مضيِّعة لحقوق الأجيال المقبلة للتخفيف من أوضاع الأرقام في الميزانيات
العامة فقط، دون أن يشعر بها المواطن.
كذلك،
نتج عن هذا الانقلاب المشؤوم أن السيسي احتاج إلى مواجهة الحركات السياسية
الإسلامية بخطاب ديني مضاد لخطابهم، فأقحم منتسبين للشريعة في هذه العملية، وسعى
إلى بسط سلطانه على الحالة الدينية عبر علي جمعة وأسامة الأزهري وخالد الجندي
وغيرهم، فأتوا بالأعاجيب في مدحهم له وامتثالهم لتعليماته، وإهانتهم للمؤسسات
الدينية، وآخرها مشهد دعاة الأوقاف أمامه في مؤسسة عسكرية.
اجتماعيّاً،
تزداد معدلات الطلاق في مصر بصورة ملحوظة، ورغم التقديرات التي تتحدث عن انخفاض
معدلات الجريمة في مصر، فإن نوعية الجريمة في مصر تشير إلى تدهور حاد، كقطع الرؤوس
والسير بها، أو اغتيال أسر بأكملها، أو قتل أولاد لآبائهم أو أجداهم بسبب المال،
وهي نوعية جرائم لم تكن بهذا الانتشار في المجتمع المصري، كما أن التقديرات
الحكومية مشكوك فيها باستمرار.
من
جهة أخرى، نجح السيسي في إحداث شرخ عميق بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المصري، إذ
أصبح الجيش طرفاً في كل القطاعات الاقتصادية، إما بشكل مباشر، أو برئاسة أحد
الضباط السابقين للمؤسسات المدنية، وسُحبت الصلاحيات الإدارية من معظم المصالح
الحكومية لصالح المؤسسة العسكرية، بما في ذلك تخصيص إدارة عسكرية توافق على بعض ما
يتعلق بتراخيص المباني المدنية، وهو العمل الخاص بالوحدات المحلية، التي يقاسمها
الجيش المسؤولية اليوم، وسحَبَ صلاحيات إدارات كاملة من داخل دواوين المحافظات،
كنقْل تبعية إدارة المحاجر إلى الجيش. وهذه التفاصيل الإدارية ربما تبدو بسيطة،
لكنها تسببت في سخط العاملين في هذه القطاعات لسحب مخصصات مالية وأرباح كانت تذهب
إلى موظفي الجهاز الإداري للدولة، فضلاً عن أن تدفق الأموال إلى المؤسسة العسكرية
يغيِّر من طبيعة المؤسسة؛ فتتحول من جهة لا همَّ لها سوى حماية الدولة، إلى جهة لا
همَّ لها سوى تعظيم أرباحها بالاستناد إلى مميزات وتسهيلات لا تتوفر لأي قطاع آخر
في الدولة، ويصبح نزع هذه المميزات سبباً لانقلابها على أي حاكم وطني يريد تصحيح
المسار للدولة المصرية في المستقبل.
اقرأ أيضا: تزايد الهجرة العكسية يثير مخاوف إسرائيلية من انقطاع صلة المغادرين بدولة الاحتلال
اجتماعيّاً
كذلك، عمد السيسي إلى تعميق النزعة الطائفية في مصر بصورة واضحة، عبر تصوير
التنظيمات السياسية الإسلامية معادية للمسيحيين، وأن حياتهم وأرزاقهم وشعائرهم
مهدَّدَة، واستفاد بالطبع من بعض الأشخاص المتطرفين الذين ساهم خطابهم في إرسال هذه
الرسالة، وبالتالي انحازت معظم الكتلة الانتخابية المسيحية في مصر إلى الإجراءات
التي فعلها السيسي في أيامه الأولى، وشكَّلوا كتلة انتخابية منظَّمَة لدعمه في
معظم عمليات التصويت، في مجلس الشعب أو الرئاسة أو الدستور، رغم ما صحب إجراءات
السيسي ومؤسساته من قمع وقتل واحتجاز في السجون حتى يومنا هذا، ونتيجة لذلك دخل
بعض أو كثير من أبناء هذه الحركات في خصومة حقيقية مع المجتمع المسيحي، وحالة
القلق من هذه التيارات لا تزال موجودة لدى المسيحيين، وحالة السخط المقابِلَة من
التجاوب السياسي المسيحي لا تزال موجودة كذلك.
وما
دامت هذه النقطة الحساسة والمسكوت عنها قد أثيرت، فتجدر الإشارة إلى أن التجاوب
الشعبي للمسيحيين المصريين مع السيسي في أدنى مستوياته اليوم، فالمصريون يعانون من
الأوضاع الاقتصادية الصعبة دون تمييز بينهم، لكن العامل المرجِّح للسيسي لا يزال
في النطاق السياسي، لاستخدامه الإخوان فزاعة للمسيحيين، أما إذا وجد المسيحيون
بديلا وطنيّاً غير محسوب على التيار السياسي الإسلامي، فستتوجه قطاعات واسعة إلى
التصويت له لإنهاء حالة التردي الاقتصادي غير المسبوقة.
هذه
الأوضاع التي وصلت إليها مصر، بدأت بخطاب 3 تموز/يوليو 2013، لكن المسار تأكَّد
يوم 14 آب/أغسطس، فالدم يعني عدم العودة إلى الوراء، وأن المسار الذي بدأ لا بد أن
يكتمل أيّاً كان الثمن، حتى لو بدماء أخرى، وبقمع غير مسبوق، والتنازل عن أي شيء
مقابل البقاء في الحكم، وما من حل لإيقاف هذا التردي إلا بالعودة إلى سببه الأول،
وهو إزاحة من أوصلوا مصر إلى هذه الحالة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
اقرأ أيضا: لماذا أجلت فصائل عراقية قصف السعودية.. ضغوط أم خشية من التصعيد؟
