لو كانت الثانوية العامة رجلاً لقتلته – الأسبوع

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ليست هناك لحظة في البيت المصري تشبه لحظة إعلان نتيجة الثانوية العامة.

اقرأ أيضا: ظلام دامس.. انقطاع تام للكهرباء جنوب مدينة الزاوية الليبية

في ساعات قليلة يتحول المنزل إلى غرفة انتظار كبيرة، تتوقف فيها الأحاديث وتقل فيها الضحكات وتصبح شاشة الهاتف أهم من كل شيء.

الأب ينتظر النتيجة وكأنه ينتظر حكمًا في قضية، والأم تحبس أنفاسها، والابن أو الابنة يترقبان رقمًا صغيرًا قد يغير شكل السنوات المقبلة كلها.

ثم تظهر النتيجة.

ولا تنتهي الحكاية.

بل تبدأ المعركة الحقيقية.

فبعد أن يخرج الطالب من امتحانات الثانوية العامة يبدأ سباق آخر أكثر قسوة، سباق البحث عن مكان في كلية يراها الأهل عنوانًا للمستقبل ومفتاحًا مضمونًا للحياة. الطب أولًا، ثم الهندسة والصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي وغيرها من كليات القمة، وكأن المجتمع وضع أمام أبنائنا سلّمًا لا قيمة للنجاح إلا إذا صعدوا إلى درجاته العليا.

وهنا تبدأ مأساة أخرى لا تتعلق بالدرجات وحدها، وإنما بقدرة الأسرة على دفع ثمن الحلم.

في الجامعات الخاصة والأهلية يتحول مجموع الطالب إلى جزء من المعادلة، بينما يدخل المال على الخط ليصبح طرفًا أساسيًا فيها.

أسرة تستطيع أن تدفع، وأخرى لا تستطيع، أسرة تبيع قطعة أرض، أو ذهبًا، أو سيارة، وربما تتخلى عن جزء من مدخراتها التي جمعتها طوال سنوات، فقط حتى لا يشعر ابنها بأنه أقل من زملائه الذين التحقوا بكلية يرغب فيها.

وقد يصل الأمر في بعض الأسر إلى التضحية بممتلكات أساسية من أجل سنوات الدراسة.

وهنا يجب أن نتوقف.

هل أصبح مستقبل الأبناء مرهونًا بقدرة الآباء على البيع والدفع؟

وهل أصبح الحصول على كلية بعينها هو المعيار الوحيد لنجاح الإنسان؟

المشكلة ليست في الطب ولا الهندسة ولا الصيدلة، هذه تخصصات مهمة ويحتاج إليها المجتمع، لكن المشكلة في تحويلها إلى طبقات اجتماعية، وفي إقناع الأبناء بأن قيمتهم تبدأ من اسم الكلية وتنتهي عند اسم الوظيفة.

والأخطر أن هذه الحالة لم تعد مصرية وحدها.

المشهد نفسه أصبح حاضرًا في دول عربية أخرى، ومن بينها الأردن، حيث تتحول نتائج الثانوية العامة إلى موسم من القلق العائلي، وتبدأ بعد النتيجة رحلة البحث عن التخصص والجامعة، ويجد الطالب نفسه أمام سباق اجتماعي لا يقل ضغطًا عن سباق الدرجات.

وكأن الثانوية العامة أصبحت امتحانًا للأسرة كلها وليس للطالب وحده.

الأب يمتحن قدرته المالية، والأم تمتحن قدرتها على الاحتمال، والابن يمتحن مستقبله في رقم، والأسرة كلها تدخل بعد ذلك في سوق من المقارنات لا ينتهي.

ابن فلان دخل الطب، ابنة فلان التحقت بالهندسة، وهذا ذهب إلى جامعة خاصة، وتلك سافرت للدراسة.

وبمرور الوقت يتحول النجاح من قيمة شخصية إلى منافسة اجتماعية، ويصبح السؤال ليس ماذا يستطيع ابنك أن يفعل، وإنما أين سيدرس وماذا كتب على بطاقة الكلية.

وهنا تكمن الخطورة.

نحن نربي أبناءنا أحيانًا على أن الكلية أهم من الإنسان، والشهادة أهم من الموهبة، والمجموع أهم من الشخصية.

ثم نتساءل بعد سنوات لماذا يعمل خريج في غير تخصصه، ولماذا يبحث آخر عن فرصة خارج بلده، ولماذا يشعر ثالث أن سنوات عمره ضاعت لأنه لم يدخل الكلية التي أرادتها الأسرة.

الثانوية العامة في حقيقتها امتحان لمرحلة من العمر، وليست حكمًا نهائيًا على مستقبل الإنسان.

كم من طالب لم يدخل كلية القمة وأصبح في القمة.

اقرأ أيضا: تنسيق الجامعات 2026.. «س و ج» يوضح أخطاء تسجيل الرغبات وقواعد تقليل الاغتراب

وكم من طالب دخل كلية كان الجميع يحسده عليها ثم اكتشف بعد سنوات أنها لم تكن طريقه.

المجتمعات الحديثة لا تقاس فقط بعدد الأطباء والمهندسين، وإنما بقدرتها على اكتشاف المواهب في كل المجالات، واحترام التعليم الفني والتكنولوجي، وإتاحة الفرصة أمام الطالب ليختار المجال الذي يتناسب مع قدراته لا مع أحلام الآخرين.

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف النجاح.

فالنجاح ليس أن يحمل الابن اسم كلية كبيرة فقط، وإنما أن يصبح قادرًا على بناء حياته، وأن يمتلك علمًا ومهارة وشخصية تؤهله لمواجهة سوق العمل والحياة.

أما أن تبيع أسرة ما تملك لكي تشتري لابنها مقعدًا في كلية لا تناسبه، فهذه ليست دائمًا تضحية من أجل المستقبل، وقد تكون أحيانًا مخاطرة بمستقبل الأسرة كلها.

لقد آن الأوان أن نتعامل مع الثانوية العامة باعتبارها محطة تعليمية، لا محكمة تصدر أحكامًا على الأبناء.

فلو كانت الثانوية العامة رجلاً، ربما قتلناها من شدة ما حملناها من أحلامنا وخوفنا ومقارناتنا وأوهامنا.

لكنها ليست رجلًا نقتله.

إنها نظام صنعناه نحن، ويمكننا أن نطوره نحن.

ويبقى السؤال الأهم:

هل نريد أبناءنا أطباء ومهندسين وصيادلة فقط، أم نريد أبناءً يعرفون كيف يعيشون وينجحون ويصنعون مستقبلهم مهما كان الطريق الذي اختاروه؟

اقرأ أيضاًحين تصبح العقول ميدان الحرب.. مصر في مواجهة معركة الوعي

الصين والشرق الأوسط الجديد.. لعبة المصالح لا تحالفات الأصدقاء

الهجرة نحو القارة العجوز تتحدى الجغرافيا!!

اقرأ أيضا: غرفة شركات السياحة: 25% زيادة في متوسط إنفاق سياح الساحل الشمالي هذا الصيف

‫0 تعليق