تعد السينما الهندية، من أقدم السينمات في العالم وأكثرها إنتاجاً (بمعدل ألف فيلم كل عام)، إذ ترجع بداياتها إلى عام 1896 (أي بعد عام واحد من عروض الأخوة لوميير السينمائية في باريس) حينما أطلقت أفلاماً صامتة، قبل أن يجاري السينمائيون الهنود نظراءهم الأمريكيين والأوروبيين، ويدخلون الصوت على أفلامهم ابتداءً من عام 1931، من خلال فيلم «عالم أراء» (أو نور العالم).
اقرأ أيضا: الظلام يخيّم على أوروبا.. الملايين يشاهدون اختفاء الشمس بالكامل
ويحظى الفيلم الهندي بمتابعة جيدة في عموم منطقة الخليج من قبل المواطنين والوافدين على حد سواء، ليس فقط بسبب الروابط التاريخية والتأثيرات السوسيوثقافية المتبادلة، وإنما أيضاً بسبب الخلطة المتقنة في الفيلم الهندي، بمعنى جمع الرومانسية والميلودراما والكوميديا والأكشن والرقص والغناء والطبيعة الخلابة في عمل واحد ليستجيب لكل رغبات المشاهد، ومن ثم تتلاشى كل التناقضات لتصبح الحياة وردية وحالمة، وهذا بطبيعة الحال معاكس لأفلام هوليوود التي تستند في غالبيتها إلى قصص الخيال العلمي أو المغامرات المثقلة بالعنف المفرط.
من المهم الإشارة هنا إلى أن السينما الهندية ظلت طويلاً أسيرة لنوعية معينة من المواصفات الفنية والحكايات التقليدية التي لم تكن تخرج عن إطار قصة الحب التي تعترضها العقبات الاجتماعية فتحول دون نهاية سعيدة بين طرفيها، لكنها بدأت تتحرر منذ خمسينات القرن الماضي من هذه المواصفات لتتناول قصصاً تتضمن الثورة على الأوهام والخرافات، وتقترب من حياة الإنسان ومعاناته ومشكلاته وتناقضاته.
وقد برز هذا الاتجاه أول مرة في عام 1955 على يد المخرج الكبير «ساتيا جت راي» من خلال فيلمه «أغنية على الطريق» الذي حصد العديد من الجوائز في مهرجان كان عام 1956، ثم في مهرجان البندقية سنة 1957. توالت بعد ذلك الأفلام التي حطمت المحرمات السينمائية السابقة مثل: «زواج الأرملة، وشرور المسكرات، والطبقات المنبوذة في المجتمع، والتشبه بالغرب». وهكذا تطورت السينما الهندية وراحت تعالج مشكلات الإنسان الهندي البسيط وأحلامه عبر أحلام اليقظة، مرتبطة بوظيفة الفن الحقيقية وهي الارتقاء بالإنسان من خلال معالجة عميقه لمشكلاته وليس عبر تغييب وعيه.
من الأفلام الهندية الجميلة التي شاهدتها بإحدى دور العرض في منطقة كولابا ببومباي، زمن دراستي هناك، فيلم «يك بول دو مالي» (Ek Phool Do Mali) الذي أخرجه دافيندرا جويل سنة 1969 من بطولة بال راج، سونيا ساهني، سانجاي خان، سادانا شيفداساني، والطفل المعجزة بوبي، وهو فيلم درامي رومانسي غنائي مؤثر من كلاسيكيات بوليوود مقتبس من رواية «دو كادام آجي» للكاتب «سامبات لال بوروهيت»، ويمكن ترجمة عنوانه إلى «زهرة واحدة وبستانيان»، لكن الجهة اللبنانية التي تولت ترجمة الفيلم إلى العربية اختارت له اسم «ولدي»، فعرض تحت هذا العنوان في سينما أمبير بساحة الشهداء في بيروت حينما انتقلت للدراسة في لبنان في مطلع سبعينات القرن العشرين.
يحكي الفيلم قصة المعلم الأرمل «كايلاش»، مدير إحدى مدارس تعليم تسلق الجبال، مع طالبته الفقيرة «سونا» وتلميذه الشاب «آمر كومار». حيث يقع أمر كومار في حب سومنا، وتحمل الأخيرة منه طفلاً دون زواج. يختفي آمر ويظن الجميع أنه مات في حادث انهيار جليدي. هنا يتدخل المعلم كايلاش ويؤدي دوراً إنسانياً بزواجه من سومنا ليعطي طفلها اسماً وعائلة ويربيه كأب.
بعد مرور ست سنوات من الاستقرار الأسري ونشوء الطفل في أجواء من الحب والرعاية الأبوية، يظهر آمر كومار ليروي للجميع الحقيقة، محاولاً استعادة ابنه وحب حياته «سومنا»، بينما يتمسك المعلم كايلاش بالطفل الذي رباه وأحبه كقطعة من روحه وفؤاده. وتتوالى الأحداث الدرامية والمؤثرة حول التضحية ومعنى الأبوة الحقيقية في جو من الصراع العاطفي على قلب الطفل بين أبيه البيولوجي والرجل الذي منحه اسمه وضحى من أجل تربيته.
