ضربة الشمس قد تقتل وقد تظل قاتلة حتى بعد انخفاض درجة حرارة الجسم

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

نشر موقع “كونفرزيشن” مقالا للأستاذ
المشارك في علم المناعة بجامعة بريستول، بوركو أموليتش، قال فيه إن أوروبا تعاني حاليا
من موجة حر قاتلة أخرى، إذ سجلت أكثر من 10 آلاف حالة وفاة إضافية خلال أواخر شهر
حزيران/ يونيو 2026 وحده، ولا تزال الحصيلة في ازدياد.

اقرأ أيضا: تحطم مقاتلة “إف-16” تركية خلال رحلة تدريبية.. ماذا حدث للطيار؟

مع تسارع وتيرة أزمة المناخ، من المتوقع أن تصبح
ضربات الشمس أكثر شيوعا؛ لذا أصبح فهم أسباب كونها قاتلة في كثير من الأحيان مسألة
ملحة.

تحدث ضربة الشمس عندما تتجاوز درجة حرارة الجسم
الداخلية 40 درجة مئوية، وقد يؤدي ذلك إلى اختلال وظائف الدماغ، مما يسبب الارتباك
ونوبات التشنج. كما يمكن أن تتسبب في اختلال وظيفة العضلات وإغراق مجرى الدم
بنفايات خلوية ضارة.

كل هذا يشكل خطرا بحد ذاته، لكن الضرر المباشر الناجم
عن الحرارة لا يفسر تماما سبب وفاة المرضى بعد ساعات أو أيام من عودة درجة حرارتهم
إلى مستوياتها الطبيعية. تكمن الإجابة في استجابة الجهاز المناعي.

اظهار أخبار متعلقة

تخدع ضربة الشمس الجسم لشن هجوم التهابي شامل، وهو
نوع من الاستجابة التي عادة ما يدخرها الجسم للعدوى التي تهدد الحياة. لكن في هذه
الحالة، لا توجد عدوى؛ إذ يتم تنشيط الاستجابة المناعية دون وجود هدف واضح، وتظل
هذه الاستجابة مفرطة النشاط لفترة طويلة بعد أن يبرد الجسم. ويمكن لهذا النشاط
الالتهابي المفرط أن يطغى على وظائف الأعضاء الحيوية ويؤدي إلى توقفها.

تبدأ المشكلة في الأمعاء

لا يزال التسلسل الدقيق للأحداث محل نقاش، ولكن
يُعتقد أن المشكلة تبدأ في الأمعاء. فعندما ترتفع درجة حرارة الجسم بشكل مفرط،
يقوم الجسم بسحب الدم بعيدا عن الأعضاء الداخلية وتوجيهه نحو الجلد في محاولة
للتخلص من الحرارة؛ مما يحرم الأمعاء فجأة من تدفق الدم.

تُبطّن الأمعاء بحاجز يحفظ تريليونات البكتيريا
محتواة بأمان. وعندما يفقد هذا الحاجز إمدادات الدم، يُعتقد أنه يصبح غير مستقر؛
فتتسرب المكونات الميكروبية إلى مجرى الدم وتنشط الجهاز المناعي على الفور.

وفي الوقت نفسه، تطلق الخلايا التي تضررت بفعل
الحرارة في جميع أنحاء الجسم إشارات استغاثة خاصة بها. وهكذا، يتلقى الجهاز
المناعي إشارات تحفيزية من مصدرين في آن واحد.

وتكون النتيجة سلسلة متفاقمة من
التفاعلات الالتهابية، تشبه إلى حد كبير ما يحدث في حالات الإنتان (تعفن الدم) أو
الإصابة الشديدة بمرض كوفيد.

يركز بحث كاتب المقال على خلايا الدم البيضاء
المعروفة باسم “الخلايا المتعادلة”
(neutrophils). إنها خط الدفاع الأول في الجهاز المناعي:
سريعة، وهجومية، ومسلحة بمواد كيميائية مصممة للقضاء على البكتيريا. وعادة ما تكون
هذه الخلايا جزءا من الاستجابة الالتهابية الوقائية؛ وهي آلية قديمة تطوريا تكافح
العدوى وتسمح للجروح بالالتئام.

في حالات ضربة الشمس، يؤدي الالتهاب الشامل في الجسم
(الالتهاب الجهازي) إلى دفع الخلايا المتعادلة (نوع من خلايا الدم البيضاء) إلى
حالة من النشاط المفرط، تماما كما يحدث في حالات الإنتان (تعفن الدم).

وتُفرز هذه
الخلايا إنزيمات (وهي بروتينات متخصصة تعمل على تفكيك جزيئات أخرى) تؤدي إلى زعزعة
استقرار جدران الأوعية الدموية وإلحاق الضرر بالأعضاء. وتشير أبحاث حديثة إلى أن
هذه الخلايا تظل في حالة النشاط المفرط هذه لأيام، حتى بعد عودة درجة حرارة الجسم
إلى مستواها الطبيعي.

اظهار أخبار متعلقة

اقرأ أيضا: التجريف في غزة.. تكتيك عسكري لتسهيل السيطرة أم هندسة جغرافية للميدان؟ | سياسة

كما يمكن للخلايا المتعادلة أن تُنشّط نظام تخثر الدم
بشكل غير سليم؛ إذ يمكن للإنزيمات التي تفرزها أثناء الإصابة بضربة الشمس أن تحفز
تشكّل جلطات دقيقة في الشعيرات الدموية (أصغر الأوعية الدموية) المنتشرة في أنحاء
الجسم، مما يقطع تدفق الدم عن الكلى والكبد والدماغ.

وقد أظهرت دراسات أُجريت على الحيوانات أن منع تكون
الجلطات الدموية الناجمة عن الالتهاب ساهم في تحسين فرص البقاء على قيد الحياة.
ويُعد هذا مؤشرا على أن استهداف نشاط الخلايا المتعادلة -وليس مجرد تبريد جسم
المريض- قد يكون المفتاح لعلاج أفضل.

مفارقة قاسية

وهنا تكمن المفارقة القاسية: فبحلول الوقت الذي يصل
فيه المصاب إلى المستشفى ويُغمر في الماء البارد، تكون السلسلة التفاعلية للجهاز
المناعي قد بدأت بالفعل وتواصل عملها بقوتها الذاتية. صحيح أن التبريد يزيل المحفز
الأولي، لكنه لا يوقف التفاعل نفسه؛ ولهذا السبب قد يصاب الناجون أحيانا بفشل كلوي
أو تلف في الدماغ خلال الأيام التالية للإصابة.

وثمة فئات أكثر عرضة للخطر من غيرها؛ فكبار السن
والرضع يجدون صعوبة في تنظيم درجة حرارة أجسامهم، وكذلك الحال بالنسبة للمصابين
بأمراض القلب أو السكري أو السمنة، وأولئك الذين يتناولون أدوية شائعة مثل مدرات
البول ومضادات الاكتئاب وأدوية ضغط الدم.

كما تزيد عوامل أخرى -مثل تعاطي الكحول
والجفاف والعزلة الاجتماعية- من احتمالية الإصابة.

أما الرياضيون والعاملون في الأماكن المفتوحة فيواجهون
مشكلة مختلفة، تتمثل في إجهاد أجسادهم بما يفوق قدرة أنظمتهم الطبيعية على التبريد.

في الوقت الراهن، يتمثل العلاج الفعلي الوحيد في
تبريد جسم المصاب بأسرع وقت ممكن. ورغم أن هذا الإجراء ينقذ الأرواح، إلا أنه ليس
كافيا؛ إذ تكمن الخطوة التالية في إيجاد طرق لتهدئة الاستجابة المناعية ذاتها،
وذلك من خلال كبح نشاط الخلايا المتعادلة، وتفكيك الجلطات الخطيرة، وحماية الحاجز
المعوي قبل أن ينهار.

اقرأ أيضا: انتخابات تفرّق الحليفين.. هل فقد ترمب نفوذه على نتنياهو؟ | سياسة

‫0 تعليق