د. هالة محمد أحمد عمر تكتب: الهوية الثقافية اللبنانية في مواجهة الانقسام والصراع السياسي
اقرأ أيضا: محافظة بورسعيد تتابع معدلات إنجاز منظومة تراخيص المحال العامة – الأسبوع
«هل يمكن أن تصبح الهوية سلاحاً يقتل أكثر مما يحمى؟»، بهذا التساؤل افتتح المفكر والروائى اللبنانى أمين معلوف كتابه «الهويات القاتلة»، مقدماً رؤية تجاوزت السياق التاريخى الذى كُتب فيه الكتاب. ففى أعقاب انتهاء الحرب الباردة، اتجهت غالبية التحليلات إلى أن العولمة ستقود إلى تراجع الصراعات الأيديولوجية وإرساء نظام دولى أكثر استقراراً، غير أن «معلوف» قدّم قراءة مغايرة، مؤكداً أن النزاعات المستقبلية ستنشأ، بدرجة متزايدة، من الصراعات المرتبطة بالهوية والانتماء أكثر من ارتباطها بالمصالح الاقتصادية أو التوازنات الجيوسياسية.
وعندما تتحول الهوية من إطار حضارى جامع إلى أداة للإقصاء والاستقطاب، فإنها تفقد وظيفتها فى تعزيز التماسك المجتمعى، لتغدو أحد أبرز محفزات الانقسام والعنف.
وتُعد التجربة اللبنانية من أكثر النماذج دلالة على هذه الإشكالية؛ إذ تكشف أن التعددية، فى ذاتها، ليست مصدراً للصراع، وإنما تكمن الأزمة فى الكيفية التى يُدار بها هذا التنوع داخل الدولة.
فلم يعرف لبنان، عبر تاريخه، أزمة ناتجة عن تنوعه الدينى والثقافى بقدر ما واجه أزمة فى إدارة هذا التنوع ضمن إطار سياسى ومؤسسى قادر على احتوائه. ولهذا، تقدمت الانتماءات الفرعية على الانتماء الوطنى، وأُعيد إنتاج الانقسامات الاجتماعية فى صورة استقطابات سياسية وطائفية متكررة، بما أضعف قدرة الدولة على بناء مرجعية جامعة تتجاوز الولاءات الأولية.
وتكتسب مقولة المفكر اللبنانى ميشال شيحا: «إن لبنان لا يشبه إلا ذاته»، دلالة تتجاوز وصف الخصوصية الجغرافية أو التاريخية، لتعبّر عن طبيعة الكيان اللبنانى بوصفه فضاءً حضارياً تشكّل عبر التفاعل بين مكونات دينية وثقافية متعددة. فلم تستند فرادة لبنان يوماً إلى التجانس الدينى أو العرقى، وإنما إلى قدرته على استيعاب التنوع وتحويله إلى نموذج ثقافى وإنسانى قائم على الانفتاح والحوار والتبادل الحضارى.
غير أن هذه الخصوصية لا تتحول تلقائياً إلى مصدر للاستقرار، بل تظل رهينة بوجود مشروع وطنى يجعل من الانتماء للدولة المرجعية العليا للعلاقة بين المجتمع ومؤسساته.
فالهوية الثقافية ليست معطًى ثابتاً أو مجرد إرث تاريخى، وإنما عملية مستمرة لإنتاج المعنى المشترك وترسيخ القيم الجامعة، ولم تكن أزمة لبنان فى تعدده الدينى والثقافى، الذى مثّل أحد أهم مصادر ثرائه الحضارى، بل فى توظيف هذا التنوع ضمن نظام سياسى قائم على المحاصصة الطائفية، الأمر الذى أضعف المرجعية الوطنية، وجعل الثقافة، التى شكّلت تاريخياً مساحة للتلاقى والحوار، أكثر عُرضة للاستقطاب والانقسام.
وقد انعكس هذا الواقع على المشهد الثقافى اللبنانى، فتقلصت تدريجياً المساحات الجامعة التى أسهمت فى تشكيل الوعى الجمعى والذاكرة الوطنية، من الأدب والشعر والمسرح إلى الموسيقى والفنون البصرية والسينما والإعلام. ومع ذلك، ظل لبنان يحتفظ برصيد ثقافى استثنائى مكّنه من المحافظة على حضوره العربى، بفضل إسهامات نخبة من الأدباء والمفكرين والفنانين الذين تجاوز تأثيرهم حدود الجغرافيا اللبنانية، وفى مقدمتهم الإخوان رحبانى وفيروز، إلى جانب عدد كبير من المبدعين الذين رسخوا صورة لبنان بوصفه فضاءً للإبداع والحوار والانفتاح.
ولم يكن هذا الحضور الثقافى وليد العقود الأخيرة، بل تعود جذوره إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إذ قاد لبنان مشروع النهضة العربية الحديثة من خلال ريادته فى الصحافة والنشر والتعليم الجامعى والأدب والمسرح والفنون والفكر. وقد أسهم هذا الزخم الثقافى فى ترسيخ مكانة بيروت مركزاً للإنتاج المعرفى والتنوير، ومنح لبنان تأثيراً ثقافياً امتد إلى مختلف الأقطار العربية والجاليات اللبنانية فى الخارج، ليصبح أحد أبرز نماذج التأثير الحضارى فى المنطقة.
ومن منظور نظرية القوة الناعمة التى صاغها جوزيف ناى، أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد، شكّل هذا الرصيد الثقافى أحد أهم مصادر النفوذ اللبنانى، إذ تمنح الثقافة والقيم والمؤسسات الجاذبة الدول قدرة على التأثير فى محيطها دون الاعتماد على أدوات القوة الصلبة. غير أن التجربة اللبنانية تكشف أن امتلاك رصيد ثقافى مؤثر لا يُفضى بالضرورة إلى بناء دولة مستقرة، ما لم يستند إلى مؤسسات سياسية قادرة على تحويل التنوع إلى عنصر للتكامل، وربط التأثير الثقافى بالمشروع الوطنى.
وتفسر نظريات بناء الدولة هذه المفارقة من خلال التمييز بين تشكل المجال الثقافى وبناء الدولة الحديثة. ففى الحالة اللبنانية، سبق ازدهار المجال الثقافى اكتمال بناء المؤسسات السياسية، فلم تستطع الدولة استيعاب التنوع المجتمعى ضمن إطار وطنى جامع، الأمر الذى انعكس فى أزمات متكررة أضعفت قدرتها على إدارة التحولات الداخلية. ومن ثم، تكشف التجربة اللبنانية أن الثقافة تبلغ أقصى فاعليتها عندما تتكامل مع مؤسسات شرعية قادرة على توظيف الرصيد الحضارى فى دعم الاستقرار وتعزيز التماسك المجتمعى، بدلاً من أن يبقى تأثيرها محصوراً فى المجال الثقافى أو الخارجى.
ولا يمكن اختزال إعادة بناء الهوية الثقافية اللبنانية فى استعادة الرموز التاريخية أو الاحتفاء بالماضى، بل تقتضى بلورة مشروع وطنى حديث يجعل من الثقافة أحد المقومات الأساسية للتنمية وتعزيز التماسك المجتمعى. فالثقافة ليست انعكاساً للواقع السياسى فحسب، وإنما تمثل أداة فاعلة فى تشكيل الوعى العام، وبناء الثقة بين مكونات المجتمع، وترسيخ منظومة القيم المشتركة التى تُعد أساساً لأى مشروع إصلاحى مستدام.
ويجد هذا التوجه سنداً فى الرؤى الصادرة عن كلٍ من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربى آسيا (الإسكوا)، اللتين تؤكدان أن صون التراث الثقافى، وترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز العدالة الاجتماعية وسيادة القانون، تمثل مرتكزات رئيسة لتحقيق التماسك المجتمعى. ومن هنا لا يمكن، النظر إلى التنوع الثقافى باعتباره مصدراً للانقسام، وإنما بوصفه رصيداً حضارياً يمكن توظيفه فى دعم الاستقرار وتعزيز قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات، متى توافرت الأطر المؤسسية القادرة على إدارته بكفاءة.
اقرأ أيضا: 458.8 مليون جنيه صافي أرباح بنك saib في 6 أشهر – الأسبوع
غير أن تحقيق هذا الهدف لا يزال يواجه تحديات معاصرة تتجاوز الانقسام السياسى والطائفى، وفى مقدمتها الهجرة المتزايدة للكفاءات والمبدعين، التى تفاقمت بفعل الأزمات الاقتصادية والمالية وتراجع أداء مؤسسات الدولة. ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة على استنزاف رأس المال البشرى، بل يمتد إلى إضعاف المؤسسات الثقافية والأكاديمية والإبداعية، بما يحد من قدرة لبنان على إنتاج المعرفة وتجديد نخبه الفكرية، ويؤثر فى استدامة دوره الثقافى داخل محيطه العربى.
ومن ثم، فإن الحفاظ على الكفاءات الوطنية، واستعادة الطاقات المهاجرة، لم يعد خياراً تنموياً فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان استمرارية المشروع الثقافى اللبنانى وتعزيز فرص التعافى والتنمية.
وتكتسب رؤية الفيلسوف والدبلوماسى اللبنانى شارل مالك أهمية خاصة حين ربط قيمة لبنان الحضارية برسالته الإنسانية، معتبراً أن خصوصية هذا البلد لا تكمن فى مجرد تعدده الدينى أو الثقافى، وإنما فى قدرته على تحويل هذا التنوع إلى نموذج حضارى يقوم على المعرفة والإبداع والحوار. ولهذا، تصبح رسالة لبنان الحقيقية مرهونة بقدرته على صون هذا الإرث الثقافى وتوجيهه نحو بناء مجتمع تتكامل فيه التعددية مع مؤسسات الدولة، لا أن تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام.
إن مستقبل الهوية الثقافية اللبنانية لن يتحدد بما تمتلكه من رصيد حضارى أو تأثير ثقافى فحسب، وإنما بقدرة الدولة على توظيف هذا الرصيد ضمن مشروع وطنى جامع يعيد بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته، ويجعل من التنوع عنصراً للتكامل لا للتنافس، ومن الثقافة قوة دافعة للإصلاح والتنمية، لا مجرد وسيلة للتأثير الخارجى.
وبالرجوع إلى السؤال الذى افتتح به أمين معلوف كتابه «هل يمكن أن تصبح الهوية سلاحاً يقتل أكثر مما يحمى؟»، تكشف التجربة اللبنانية أن الإجابة لا تكمن فى الهوية ذاتها، بل فى الكيفية التى تُدار بها.
فالهوية ليست بطبيعتها سبباً للصراع أو ضماناً للاستقرار، وإنما تصبح هذا أو ذاك تبعاً للمشروع السياسى والمؤسسى الذى يحتضنها.
وعندما تُبنى الدولة على قيم المواطنة والعدالة وسيادة القانون، يغدو التنوع مصدراً للإبداع والوحدة، وتستعيد الثقافة دورها بوصفها الحاضنة الطبيعية للهوية، والرافعة الحضارية التى تعزز مكانة لبنان وتدعم استقراره فى محيطه العربى والإقليمى.
** دكتوراه فى فلسفة الفنون – مستشار المنتدى الاستراتيجى للفكر والحوار
** من مجلة الوطن العربي – العدد العاشر

اقرأ أيضا: عاجل| تحركات جديدة في سعر الذهب الآن.. وعيار 21 يسجل هذا الرقم – الأسبوع
