دخل السفارة ولم يخرج.. مأزق ضباط الأسد في لبنان يواجه لبنان ملف “ضباط الأسد” الذين تتهمهم دمشق بارتكاب “جرائم حرب” وتطالب بتسلمهم من بيروت.

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


دخل اللواء السابق في جيش النظام السوري عادل عيسى إلى السفارة السورية في بيروت لإنجاز معاملة رسمية، قبل أيام، لكنه لم يخرج منها كما دخل.

اقرأ أيضا: الشواربة يوجه رسالة بعد مغادرته أمانة عمان

وبحسب مصادر “الحرة”، تواصل موظفون في السفارة مع السلطات اللبنانية، وأبلغوها بوجود القائد السابق للفرقة 17 والقوات البرية في دير الزور، المطلوب للسلطات السورية على خلفية اتهامات بارتكاب “جرائم قتل وتعذيب من بينها مجزرة دير الزور عام 2012”.

وبناء على إشارة القضاء المختص، أوقفته الأجهزة الأمنية اللبنانية، لتفتح قضيته بابا يتجاوز مصير ضابط سابق إلى ملف أكبر وأكثر تعقيدا: ماذا يفعل لبنان بضباط ومسؤولي نظام بشار الأسد الذين وصلوا إلى أراضيه بعد سقوطه؟

فقضية عيسى ليست سوى أحدث حلقة في ملف بدأ مع سقوط الأسد، حين غادر قادة وضباط وعسكريون سوريون البلاد، واتخذ بعضهم من لبنان محطة مؤقتة أو مكانا للإقامة. وبين هؤلاء من تلاحقه اتهامات بارتكاب انتهاكات خلال الحرب، أو وردت أسماؤهم في ملفات قضائية سورية وأجنبية، أو تطالهم عقوبات دولية.

وتقدم عائلة عيسى رواية مختلفة للظروف المحيطة بقضيته. وتقول، في بيان نقلته وسائل إعلام، إن عيسى أُحيل إلى التقاعد عام 2016، وكان يعيش بصورة طبيعية في طرطوس، بل أدلى بشهادته أمام محكمة سورية في ملف مالي من دون توقيفه، قبل أن يغادر سوريا إثر مداهمة منزله من مجموعة مسلحة قالت العائلة إنها لم تعرف هويتها.

وبحسب البيان، دخل عيسى السفارة السورية في بيروت لتنظيم وكالة قانونية، فيما انتظر سائقه خارجها لساعات. وعندما سأل عنه بعد انتهاء الدوام، أبلغه موظفو السفارة بأنه غادر.

وكشف عيسى خلال التحقيقات الأولية، وفق ما نقل الصحفي والمحلل السياسي يوسف دياب في حديث لموقع “الحرة”، أنه “غادر قبل أشهر سوريا بصورة غير شرعية، بعدما علم بوجود استعلامات أمنية تتعلق به. ورغم ذلك، لم يعتبر تلك الاستعلامات مؤشرا إلى وجود ملاحقة قضائية بحقه، وأن دوره اقتصر على مؤازرة أجهزة المخابرات السورية حين كان يطُلب من وحدته ذلك، وهو ما دفعه إلى التوجه إلى السفارة السورية في بيروت من دون تردد”.

أرقام يصعب حصرها

حتى الآن، يصعب تحديد عدد ضباط النظام السوري السابق الذين بقوا على الأراضي اللبنانية بعد وصولهم إليها، والأصعب تحديد من تلاحقه منهم ملفات أو مذكرات قضائية.

ويعزو مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن في حديث لموقع “الحرة”، ذلك إلى دخول كثيرين منهم بطرق غير شرعية وتغيّر أماكن وجودهم، مشيرا إلى أن “بعض الضباط استفادوا من علاقات شخصية وأمنية كانت قائمة بين البلدين للوصول إلى لبنان”.

وفي يناير 2026، كشفت وكالة رويترز عن زيارة مسؤول أمني سوري إلى بيروت في إطار التنسيق مع الأجهزة اللبنانية بشأن مسؤولين وضباط سابقين، فيما تحدثت مصادر للوكالة عن أكثر من 200 ضابط كبير فروا إلى لبنان.

وحتى مسألة وجود “لائحة سورية” بأسماء المطلوبين ليست محسومة تماما. حيث يشير دياب إلى “لبنان لم يتسلّم لائحة من هذا النوع حتى الآن”، موضحا أن التنسيق يجري، بدلا من ذلك، عند اكتشاف وجود ضابط سابق بصورة غير شرعية، بحيث تطلب الجهات اللبنانية من السلطات السورية المعلومات والملفات القضائية المتعلقة به.

وفي السياق، يلفت عبد الرحمن إلى مفارقة، تتمثل في أن “عددا من مسؤولي وضباط النظام السابق بقي داخل سوريا بعد سقوط الأسد، وأجرى بعضهم تسويات لأوضاعه، ما يعني، أن أماكن وجود بعضهم كانت معروفة قبل انتقالهم لاحقاً إلى لبنان”.

ويرى أن ذلك “يضع جزءا من المسؤولية أيضا على السلطات السورية الجديدة، ويثير تساؤلات عن كيفية تمكن مطلوبين محتملين من مغادرة سوريا أصلا”.

ودمشق، ليست الجهة الوحيدة التي تبحث عن مسؤولين سابقين في نظام الأسد. ففي يوليو 2026، برزت ثلاثة أسماء “ثقيلة” في هذا السياق: رئيس مكتب الأمن القومي السابق علي مملوك، ومدير إدارة المخابرات الجوية السابق جميل الحسن، وعبد السلام محمود، المسؤول السابق في فرع التحقيق بمطار المزة العسكري، في إطار تحركات قضائية فرنسية لملاحقتهم.

وسبق أن ارتبط اسم مملوك بملف قضائي داخل لبنان نفسه، إذ صدرت بحقه مذكرة توقيف في قضية الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة، الذي أُدين بنقل متفجرات من سوريا إلى لبنان بهدف تنفيذ تفجيرات واغتيالات، فيما سبق تعميم مذكرة إنتربول بحق جميل الحسن على الأجهزة الأمنية اللبنانية.

من التوقيف إلى التسليم

في ديسمبر 2024، سلّم لبنان إلى سوريا نحو 70 سوريّا، بينهم ضباط وعسكريون برتب مختلفة في قوات النظام السابق، بعدما أوقفوا إثر دخولهم الأراضي اللبنانية بصورة غير شرعية. لكن هؤلاء لم يخضعوا لمسار تسليم قضائي فردي شبيه بالمسار الذي قد ينتظر عيسى.

لكن وجود شخص مطلوب على الأراضي اللبنانية لا يعني أن الطريق إلى تسليمه بات مفتوحا. وتشرح الناشطة الحقوقية والمحامية ديالا شحادة أن التوقيف شيء، والتسليم إلى دولة أخرى شيء آخر، وتوضح لموقع “الحرة” أن “النيابة العامة التمييزية تتلقى طلب التسليم وتدرس مدى توافر شروطه القانونية، ثم يُرفع الملف إلى وزير العدل لإبداء توصيته، قبل أن يصل إلى مجلس الوزراء مجتمعا، الذي يتخذ القرار النهائي بالتسليم أو رفضه”.

وتشير إلى وجود اتفاقية قضائية قديمة بين لبنان وسوريا، وسط نقاش قانوني بشأن مدى نفاذها، إلى جانب الاتفاق الأخير المتعلق بالسجناء السوريين في لبنان.

وفي جميع الأحوال، لا يعني وصول طلب من دمشق أن الشخص سيسلّم حكما. فمن الشروط التي توردها شحادة “ألا يكون الطلب قائما على دوافع سياسية، وأن تتوافر الشروط المتعلقة بمكان وقوع الجرم والعقوبة المفروضة عليه، إلى جانب قاعدة تمنع محاكمة الشخص مرتين على الفعل نفسه”.

اقرأ أيضا: الكويت تحبط مخططا إرهابيا كان يستهدف إحدى المنشآت الحيوية…

وسبق أن نظر القضاء اللبناني في ملفات سوريين على خلفية أفعال ارتكبت في سوريا، بما فيها الانخراط في الحرب. إلا أن المنظومة القانونية اللبنانية، وفق شحادة، لا تتضمن كامل قائمة الجرائم الدولية، كما أن لبنان لم يصادق على نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.

وتقول “قد يتمكن القضاء اللبناني من ملاحقة فعل محدد إذا وجد له توصيفا في قانون العقوبات، لكن وصف الفعل بأنه جريمة حرب لا يحسم وحده مسألة الاختصاص أو المسؤولية”.

وهذه النقطة قد تصبح مركزية في أي ملف يصل من دمشق. فما سيحدد المسار القضائي ليس رتبة الضابط أو الموقع الذي شغله، بل الأفعال المنسوبة إليه، والأدلة التي تدعمها، والتوصيف القانوني لكل منها.

تعاون في اتجاهين

وتنتظر السلطات اللبنانية وصول الملف القضائي الخاص بعيسى من دمشق قبل تحديد المسار اللاحق لقضيته. وقد تكشف هذه القضية، رغم ارتباطها بضابط واحد، ملامح الآلية التي سيتعامل بها لبنان مع ملفات مشابهة: ما الأدلة التي ستقدمها دمشق؟ وهل تستوفي طلبات التسليم الشروط التي يفرضها القانون اللبناني؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتداخل الاعتبارات السياسية مع المسار القضائي في حسم هذه الملفات؟

وتأتي قضية عيسى في مرحلة تعيد فيها بيروت ودمشق بناء قنوات التعاون الأمني والقضائي بينهما بعد التحول الذي شهدته سوريا. فهذا التعاون لا يسير في اتجاه واحد، إذ تجمع السلطات السورية الجديدة بدورها، وفق دياب، “معلومات تتعلق بملفات لبنانية قديمة، بينها جرائم واغتيالات وقعت خلال العقود الماضية”.

ويشير دياب، في هذا السياق، إلى قضية حبيب الشرتوني، المدان باغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل، وقضية تفجيري مسجدي السلام والتقوى في طرابلس، إلى جانب ملفات أخرى لا تزال موضع متابعة قضائية.

ويرى أن تلاقي المصالح القضائية بين البلدين “سيفتح مرحلة جديدة من تبادل الملفات والمطلوبين، مرجحا أن ينتهي ملف عيسى بتسليمه إلى دمشق إذا استوفت السلطات السورية الإجراءات والشروط المطلوبة، في ظل مستوى التعاون القائم حاليا”.

من جانبه يشدد عبد الرحمن على أن تولي عيسى منصبا عسكريا لا يكفي، في ذاته، لإثبات مسؤوليته الشخصية عن انتهاكات محددة، وأن ذلك “يحتاج إلى أدلة وتحقيقات قضائية”، معتبرا أن “العدالة لا تتحقق بتوقيف الأشخاص وحده، وإنما بمحاكمات عادلة وشفافة تحدد المسؤولية الفردية وتحفظ حقوق المتهمين والضحايا معا”.

كما يبدي عبد الرحمن مخاوف من أن تتحول السفارة السورية في بيروت إلى مدخل لاستدعاء أو استدراج مسؤولين سابقين، مطالبا بتوضيح ما جرى داخل السفارة في حالة عيسى، ومشددا على ضرورة أن يخضع أي توقيف أو تسليم للإجراءات القانونية اللبنانية.

وبين من دخل لبنان خلسة، ومن استقر فيه، ومن تطلبه دمشق، ومن تلاحقه محاكم أجنبية، ستكون السلطات اللبنانية أمام سلسلة من القضايا التي قد تتشابه في خلفياتها السياسية والأمنية، لكنها تختلف في وقائعها وأسانيدها ومساراتها القانونية.

لذلك، قد لا تكون قضية عيسى اختبارا لمصير ضابط واحد، بقدر ما تشكل اختبارا للمسار الذي سيسلكه لبنان مع كل اسم جديد يظهر على أراضيه من ضباط النظام السابق: فهل يتحول البلد الذي قصده بعضهم بعد سقوط الأسد إلى محطة تبدأ منها ملاحقتهم قضائيا؟

اقرأ أيضا: الشباب… طاقة الوطن وصُنّاع المستقبل

‫0 تعليق