في منطقة مرج الحمام، جنوب غربي عمّان، تحوّلت قطعة من مشروع استثماري متعثر إلى حديقة عامة تجمع لعب الأطفال مع رياضة المشي وركوب الدراجات، وتلبي حاجة سكان المنطقة إلى فضاء قريب وآمن ومجاني.
اقرأ أيضا: أحكام بين 5 و 12 سنة حبسا لعناصر شبكة مخدرات تنشط بين بريكة وتيبازة – النهار أونلاين
قرب مدخل الحديقة تصطف السيارات في المواقف المخصصة لها، ويصل الأهالي مع أطفالهم حاملين الكرات والدراجات والمشروبات. وفي الداخل تتوزع الملاعب ومسارات المشي والألعاب ومساحات الجلوس، وتبدو الحديقة منذ أسابيعها الأولى متنفسًا يحقق رضا سكان المنطقة وشعورهم بالارتياح.
وتقدّم الحديقة نموذجًا مختلفًا نسبيًا عن حدائق الأحياء الصغيرة في عمّان، فهي ليست مساحة للجلوس فقط، بل فضاء رياضي وترفيهي منظّم، يضم 11 ملعبًا رياضيًا تشمل ملاعب لكرة القدم الخماسية وكرة السلة والتنس والبادل، إلى جانب مضمار للمشي، إضافة إلى مسار مخصص للدراجات، وأماكن لعب الأطفال، و«جيم» مفتوح في الهواء الطلق. وبهذا المعنى، لا تقوم فكرة الحديقة على التنزه فحسب، بل إتاحة ممارسة الرياضة والحركة في مساحة عامة قريبة من مكان السكن.

من مشروع متعثّر إلى حديقة عامة
تقع حديقة النشامى على جزءٍ من أرض مشروع «القرية الملكية»1 الذي أعلنت شركة بيان القابضة إطلاقه عام 2005 على مساحة تقارب 470 دونمًا عند بداية طريق البحر الميت. وقد جاء المشروع ضمن موجة من المشاريع الاستثمارية الكبرى التي أعلن عنها أوائل الألفينات في عمّان، مثل بوابة الأردن وأبراج ليميتليس ومدينة أهل العزم وميغا مول وغيرها. وقُدّمت المدينة حينها بوصفها مركزًا استثماريًا وسياحيًا إقليميًا، وكانت موجهةً بشكل أساسي لاستقطاب الطبقات الأعلى دخلًا، قبل أن يتعثر كثير من هذه المشاريع في السنوات اللاحقة وتتحوّل إلى «خرائب حديثة» كما وصفتها مؤرخة العمارة إليانا أبو حمدي.2

في عام 2015، عادت «القرية الملكية» إلى الواجهة بعد الحديث عن نية صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي شراء أرض المشروع المتعثر. كانت الأرض قد بيعت عام 2005 لشركة بيان القابضة بنحو 38 مليون دينار، فيما جرى الحديث عام 2015 عن صفقة محتملة بقيمة 100 مليون دينار، ما أثار تساؤلات واسعة، قبل أن تتدخل هيئة مكافحة الفساد وتطلب من الضمان التريث. لاحقًا، تراجع الصندوق ولم تتم صفقة الشراء.
بعد ذلك، اتجهت أمانة عمّان إلى الاستفادة من جزء من الموقع عبر تسويات قانونية واستملاكات لمساحة تبلغ 56 دونمًا، وقد أُعلن في تشرين الأول 2025 عن تخصيصها لغايات إنشاء الحديقة، مع طرح فكرة نقل وزارتي السياحة والآثار والبيئة وهيئة تنشيط السياحة إلى مبنى واحد ضمن هذه المساحة. أما بقية الأرض فما تزال باسم شركة بيان القابضة، مع رهن وحجوزات واسعة بسبب ديونها، ومصيرها مرتبط بتسوية هذه الملفات.


فضاء عائلي مفتوح
يبرز في تصميم الحديقة تركيز واضح على الحركة اليومية، فإلى جانب الملاعب تضم الحديقة مضمارًا للمشي، ومسارًا منفصلًا مخصصًا لركوب الدراجات الهوائية، ما يجعلها جزءًا من توجه أوسع لدى أمانة عمّان نحو إنشاء مماشٍ ومسارات للدراجات داخل المدينة، مثل ممشى كوريدور عبدون وممشى شارع الرحاب في جبل النصر شرقيّ عمّان.
وتنسجم هذه المشاريع مع أهداف أمانة عمّان المعلنة في استراتيجيتها للأعوام 2022-2026، والمتعلقة برفع جودة الحياة، وتحسين البنية التحتية وتطوير النقل العام، وتحسين الوصول إلى الحدائق والمتنزهات، وزيادة رقعتها في المدينة. غير أن حديقة النشامى تضيف إلى هذا التوجه نموذجًا أكثر تكثيفًا، إذ تجمع في مساحة واحدة بين الحديقة والملعب والممشى ومسار الدراجات وألعاب الأطفال.



يلاحظ زائر الحديقة أن العائلات تشكل غالبية روادها، إذ يأتي الأهالي مع أطفالهم لاستخدام الملاعب وأماكن اللعب، فيما يستخدم آخرون المسارات للمشي أو الركض الخفيف. لكنها لا تخلو من حضور الشباب وكبار السن في ساعات الصباح والمساء لممارسة رياضة المشي.
وتوفّر الحديقة بديلًا مجانيًا عن خيارات اللعب التجارية داخل المولات والمطاعم والصالات المغلقة، خصوصًا للأهالي الذين يبحثون عن مساحة قريبة وآمنة يستطيع الأطفال فيها الحركة بحرية، بعيدًا عن السيارات وضمن فضاء مراقب ومنظم، مع وجود كاميرات مراقبة ودوريات أمنية تتابع الحركة داخل الحديقة، ما يوفّر على العائلات بعض التكاليف المالية، ويزيد قدرتها على مرافقة الأطفال في أنشطة رياضية وترفيهية داخل محيطهم السكني، دون الحاجة للقيادة لمسافات طويلة للوصول إلى حدائق أكبر مثل حدائق الحسين.



كما تبرز في الحديقة مبادرة «جيم في الهواء الطلق»، وهي مساحة مخصصة لتمارين المقاومة للأطفال، حيث لا تقتصر ألعابهم على الترفيه، إنما تشمل كذلك تعزيز الحركة ورفع مستوى النشاط البدني والعضلي وتنمية الحواس.
لا تضم الحديقة أكشاكًا أو مطاعم، ويمنع دخول الباعة المتجولين إليها أو تواجدهم حولها، لذلك يأتي الزوار عادة بما يحتاجون إليه من طعام أو شراب. كما تَمنع التعليمات الجلوس على المساحات الخضراء أو البُسط العشبية المحيطة بالملاعب، وتحصر الجلوس في المقاعد المخصصة لذلك. ويعكس هذا التنظيم على ما يبدو رغبةً بضبط استخدام الحديقة بوصفها مساحةً لممارسة الرياضة أكثر من كونها مكانًا للتنزه فقط.
التصميم والمواصفات
تضم الحديقة مكتبًا للأمن والحراسة ومبنى للإدارة، وآخر لدورات المياه، لكنها لا توفّر عيادة طبية. ويظهر الاهتمام بمعايير السلامة في استخدام أرضيات من الترتان والمطاط الصناعي (الرَبَر) في مناطق اللعب والحركة. كما أنها أول حديقة عامة في عمّان تضم ملاعب بادل، الرياضة التي تشهد انتشارًا متزايدًا في المدينة. كما تشتمل على مساحات مخصصة للجلسات العائلية وسط مساحات خضراء تشكل نحو 40% من مساحتها الإجمالية، مع تهيئة الممرات والمرافق لخدمة ذوي الإعاقة.
أما حجز الملاعب فما يزال غير مفعّل خلال مرحلة الافتتاح التجريبي. وبحسب المسؤولين في الحديقة، سيجري الحجز عبر تطبيق أمانة عمّان وخدماتها الإلكترونية وتطبيق سند، في انسجام مع توجه الأمانة نحو رقمنة خدماتها.

تتخذ مسارات المشي والدراجات في الحديقة زوايا حادة، لكنها -عند استخدامها- لا تشكّل خطورة إنما تتطلب المشي والحركة بسرعة أبطأ، فالحديقة ليست مخصصة لسباقات العدو أو الجري السريع، بل للحركة الخفيفة والمتوسطة. كما روعي الانحناء في الفواصل بين مساري المشي والدراجات وعند أطرافهما، فغابت الحواف الحادة بما يقلل مخاطر التعثر والسقوط خصوصًا لدى الأطفال.
اقرأ أيضا: «الفريق الملعون»: لماذا يكافح المنتخب الفرنسي ليحظى بالحب؟
أما الأشجار والنباتات المستخدمة في الحديقة فهي أشجار زينة وشجيرات مشابهة لما تستخدمه أمانة عمّان في تشجير وتزيين الأرصفة والميادين العامة، وهي ملائمة عمومًا للظروف المناخية في المدينة، مع حاجتها إلى سقاية منتظمة، خصوصًا في السنوات الأولى من عمرها.

وبخصوص المواقف المخصصة للحديقة فتبلغ مساحتها نحو دونمين ونصف (2500 متر مربع)، ما يسمح باستيعاب نحو 90 إلى 100 سيارة، وبمتوسّط أربعة أشخاص لكل سيارة فإن المواقف تخدم نحو 400 زائر. لكن الإقبال في أوقات الذروة يتجاوز هذه القدرة الاستيعابية بنحو ثلاثة أو أربعة أضعاف، خصوصًا أن غالبية الزوار يصلون إلى الحديقة بسياراتهم، ما يعني عدم كفاية المواقف. وإن كان هذا لا يعني بالضرورة خللًا في تصميم الحديقة، فمساحة المواقف تشكل نحو 4-5٪ من المساحة الإجمالية، وهي نسبة معقولة في تصميم الحدائق بحسب معايير التصميم الدارجة.

غير أن الإشكالية تبرز في محيط الحديقة الأوسع، إذ يفترض أن تُدعَم سبل الوصول إليها بشبكة من الأرصفة المهيأة ومسارات المشي التي تتيح لسكان المنطقة بلوغها خلال 10 إلى 15 دقيقة سيرًا على الأقدام، بما يجعل المشي وسيلة الوصول الأساسية، إلا أن هذا لا يتحقق حاليًا نتيجة عدم جاهزية معظم الأرصفة للمشاة، كما هو الحال في معظم أحياء عمّان.
ختامًا، تتنوع الفضاءات العامة في عمّان بين الحدائق الصغيرة داخل الأحياء، والمساحات الكبيرة مثل المدينة الرياضية وحدائق الحسين، والحدائق ذات الطابع التعليمي والثقافي مثل مركز هيا وحديقة زها، إضافة إلى الفضاءات الرياضية المفتوحة كجزء من المدينة الرياضية. ضمن هذا التنوع، تقدم حديقة النشامى تجربة مختلفة، من حيث مساحتها المتوسطة، وتركيزها الواضح على الرياضة والحركة، وخدمتها لمنطقة سكنية واسعة مثل مرج الحمام.
كما تعكس الحديقة توجهًا جديدًا في تصميم الفضاءات العامة، حيث التركيز الواضح على إتاحة ممارسة الرياضة والحركة اليومية ضمن بيئة منظمة ومجانية، وبما يشير إلى إمكانية تطوير نموذج للحدائق في عمّان يقوم على تعزيز التواصل ودعم العادات الصحية، مع الحاجة في الوقت نفسه إلى استكمال عناصر مساندة، مثل تحسين الوصول إليها مشيًا وربطها بشكل أفضل بمحيطها العمراني.


ما تزال التجربة في مراحلها الأولى، إلا أن الإقبال عليها يعبّر عن طلب واسع على هذا النوع من المساحات في المدينة. ومع ذلك، فإن تكرار هذا النموذج في مناطق أخرى يظل مرتبطًا بتطوير البنية التحتية المحيطة، وتوسيعها لتكون ضمن سياسات حضرية أوسع، بما يسهم تدريجيًا في بناء نموذج بيئي وثقافي واجتماعي مختلف، وفي تحسين جوانب من نمط حياة السكان.
1. قبل ذلك كانت الأرض موقعًا لمنطقة صناعيّة. اشترت أمانة عمان الموقع عام 1984، واستخدمته كمنطقة صناعية عُرفت باسم «منطقة مرج الحمام الصناعية» (أو منطقة المعارض). تم تفكيك وإخلاء هذه المنطقة في عام 2004 لتطوير مشروع «القرية الملكية»، وتم نقل الأنشطة الصناعية لتجهيز الأرض للإنشاءات.
2. كان السبب الأكثر تكرارًا في تفسير توقف المشاريع متعلقًا بتداعيات الأزمة المالية لعام 2008 والتي انعكست على الشركات الخليجية الممولة لهذه المشاريع.
اقرأ أيضا: عامان حبسا نافذا لسارق طبيبتين موريطانيتين – النهار أونلاين
