تسارع معدل التضخم السنوي لأسعار التجزئة في الهند إلى 4.45% خلال يوليو 2026، مقابل 4.38% في يونيو، مدفوعًا بارتفاع أسعار الغذاء، في قراءة جاءت قريبة من توقعات الأسواق، لكنها سجلت للشهر الثاني على التوالي تجاوز التضخم للمستهدف المتوسط الأجل لبنك الاحتياطي الهندي البالغ 4%.
اقرأ أيضا: أسعار الذهب في مصر تواصل اشتعالها.. عيار 21 يقفز 50 جنيهًا -جريدة المال
وأظهرت البيانات أن القراءة جاءت أقل قليلًا من توقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم، والبالغة 4.50%، بما يشير إلى أن الضغوط السعرية لا تزال تحت السيطرة نسبيًا، رغم ارتفاعها خلال الشهر الماضي.
ويأتي ارتفاع التضخم في وقت يترقب فيه المستثمرون والمحللون مسار السياسة النقدية في ثالث أكبر اقتصاد آسيوي، بعدما أبقى بنك الاحتياطي الهندي سعر إعادة الشراء (Repo Rate) عند 5.25% خلال اجتماعه الأخير، في ظل انتظار واضعي السياسة النقدية مزيدًا من الأدلة على ما إذا كانت الضغوط التضخمية تتحول إلى ظاهرة واسعة النطاق.
الغذاء يقود ارتفاع الأسعار
كان ارتفاع أسعار المواد الغذائية العامل الأبرز وراء تسارع التضخم في يوليو، إذ ارتفع تضخم الغذاء إلى 5.52%، مقارنة مع 5.32% في يونيو.
ويرتبط جزء من هذه الضغوط بأداء الأمطار الموسمية في الهند، التي تلعب دورًا محوريًا في الإنتاج الزراعي وأسعار المواد الغذائية في الدولة ذات الكثافة السكانية العالية.
وأشارت التقديرات إلى أن ضعف الأمطار خلال جزء من موسم الرياح الموسمية ساهم في زيادة الضغوط على أسعار الغذاء، إلا أن تحسن معدلات هطول الأمطار خلال أغسطس قد يساعد في تخفيف هذه الضغوط خلال الأشهر المقبلة.
ويترقب الاقتصاد الهندي أيضًا تأثير ظاهرة إل نينيو (El Niño) على الطقس والإنتاج الزراعي، في ظل حساسية أسعار الغذاء المحلية لأي تغيرات في الإمدادات الزراعية.
التضخم يتجاوز مستهدف البنك المركزي
يمثل وصول التضخم إلى 4.45% استمرارًا لفترة من الضغوط السعرية فوق مستوى 4% الذي يستهدفه بنك الاحتياطي الهندي على المدى المتوسط.
ومع ذلك، لا تبدو القراءة الحالية كافية، وفق التقديرات الواردة في التقرير، لدفع البنك المركزي إلى تغيير مساره النقدي بصورة فورية، خصوصًا مع استمرار النظر إلى الارتفاع الحالي باعتباره مرتبطًا بدرجة كبيرة بأسعار الغذاء والطاقة، وليس موجة تضخمية واسعة النطاق تشمل مختلف مكونات الاقتصاد.
وكان البنك المركزي قد أبقى سعر الفائدة الرئيسي عند 5.25% في اجتماعه الأخير، بينما خفض توقعاته للتضخم للعام المالي 2026-2027 بمقدار 10 نقاط أساس إلى 5%.
ويعكس ذلك محاولة البنك الموازنة بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار، خصوصًا في ظل عدم اليقين المرتبط بأسعار الطاقة العالمية والتطورات الجيوسياسية.
أسعار الوقود تظل عاملًا ضاغطًا
تلعب أسعار الوقود دورًا إضافيًا في تحديد مسار التضخم الهندي، بعدما رفعت شركات الوقود الحكومية أسعار البنزين والديزل أربع مرات خلال مايو، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الخام نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
ورغم أن التهدئة المؤقتة للصراع ساهمت في دفع أسعار النفط العالمية إلى الانخفاض، فإن أسعار الخام ظلت أعلى بنحو 20% من مستويات ما قبل الحرب، وهو ما يبقي مخاطر التضخم المستورد قائمة بالنسبة للاقتصاد الهندي.
وأشار التقرير إلى أن عدم إجراء تعديلات كبيرة على أسعار الوقود المحلية خلال الفترة الأخيرة قد يحد من انتقال ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى المستهلكين، لكن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة يمكن أن ينعكس على النقل والخدمات وسلاسل الإمداد.
وقد ارتفع تضخم النقل إلى 4.43% في يوليو، مقابل 4.31% في يونيو، في إشارة إلى استمرار بعض آثار ارتفاع تكاليف الطاقة على الاقتصاد الحقيقي.
رغم ارتفاع التضخم، لا تشير القراءة الأخيرة بمفردها إلى تحول كبير في توقعات السياسة النقدية الهندية.
اقرأ أيضا: بيراميدز يقترب من ضم مصطفى محمد.. الاتفاق مع نانت والقرار للاعب
فالقراءة جاءت قريبة من توقعات السوق، كما أن جزءًا كبيرًا من الزيادة يرتبط بالغذاء، بينما لا تزال الضغوط الأساسية تحت المراقبة.
وتواجه لجنة السياسة النقدية معادلة دقيقة؛ فمن ناحية، قد يؤدي استمرار التضخم فوق مستهدف 4% إلى تقليص مساحة خفض الفائدة، ومن ناحية أخرى، فإن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد يعاني من تضخم داخلي واسع يمكن معالجته برفع تكاليف الاقتراض.
وبالتالي، تبدو بيانات التضخم المقبلة، إلى جانب تطورات أسعار النفط والأمطار الموسمية والنشاط الاقتصادي، أكثر أهمية في تحديد اتجاه السياسة النقدية.
ويظل سعر الفائدة عند 5.25% نقطة ارتكاز رئيسية للأسواق، مع مراقبة المستثمرين لأي إشارات جديدة من بنك الاحتياطي الهندي بشأن إمكانية الإبقاء على معدلات الفائدة لفترة أطول أو تعديلها إذا ظهرت مؤشرات أكثر وضوحًا على تغير الاتجاه التضخمي.
تأتي بيانات يوليو في مرحلة مهمة للاقتصاد الهندي، الذي يحاول الحفاظ على معدلات نمو قوية في الوقت الذي يواجه فيه مخاطر خارجية تشمل أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية.
ويمنح استقرار التضخم نسبيًا البنك المركزي مساحة للاستمرار في دعم النشاط الاقتصادي، لكن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة يمكن أن يحد من هذه المساحة إذا أصبح أكثر استدامة.
ومن ثم، فإن القراءة الحالية لا تمثل تحولًا جذريًا في المشهد النقدي الهندي، لكنها تؤكد أن معركة التضخم لم تنتهِ بعد، وأن أسعار الغذاء والطاقة ستظل من أهم العوامل المحددة لقرارات بنك الاحتياطي الهندي خلال الفترة المقبلة.
وبينما ارتفع التضخم إلى 4.45% في يوليو، يبقى العامل الأكثر أهمية أمام المستثمرين هو ما إذا كانت الزيادة مؤقتة ومدفوعة بعوامل موسمية، أم أنها بداية موجة أوسع من ارتفاع الأسعار قد تجبر البنك المركزي على الحفاظ على سياسته النقدية المتشددة لفترة أطول.
اقرأ أيضا: خالد الجندي: حوار موسى والخضر قمة الرقي في التربية والتعامل الإنساني
