عمان- الدستور – رنا حداد![]()
اقرأ أيضا: انطلاق فعاليات مبادرة تعلم معنا في الطفيلة
لا تزال أشهر الصيف ترتبط في الأردن بارتفاع وتيرة بعض المناسبات الاجتماعية، خصوصًا الأعراس وحفلات التخرج والنجاح والزيارات العائلية وعودة المغتربين.![]()
ففي كل صيف تقريبًا، تعود إلى البيوت الأردنية تلك القائمة غير المكتوبة من الالتزامات الاجتماعية: زفاف هنا، مولود جديد هناك، نجاح طالب، عودة مغترب، خطوبة، مناسبة عائلية، أو دعوة إلى منزل قريب.![]()
ولا يتوقف الإنفاق عند الهدية أو النقوط. فهناك الملابس، والمواصلات، وتكاليف صالونات التجميل، والهدايا، والزهور، والحلويات، والضيافة، وأحيانًا الحجوزات والمطاعم.![]()
وبالنسبة إلى الأسرة التي لديها أكثر من مناسبة في الفترة نفسها، قد تتحول الأسابيع الصيفية إلى موسم إنفاق حقيقي. وإذا كانت المناسبات في الماضي تعني في كثير من الأحيان الذهاب إلى السوق، والبحث عن هدية، وتجهيز الملابس، وسحب مبلغ نقدي، ثم الذهاب شخصيًا لتقديم «الواجب»، فإن المشهد اليوم تغير كثيرًا. لم تختفِ العادة الاجتماعية، ولم تتراجع الرغبة في مشاركة الآخرين أفراحهم، لكن طريقة أداء الواجب تغيرت بصورة جذرية.![]()
هاتف محمول قد يختصر زيارة إلى السوق، وتطبيق مصرفي قد يحل مكان ظرف النقوط، ومتجر إلكتروني يستطيع إرسال هدية إلى منزل العروسين، وخدمة توصيل يمكنها أن تنقل باقة ورد أو سلة حلويات أو هدية شخصية إلى صاحب المناسبة، حتى لو كان المرسل في مدينة أخرى أو خارج الأردن.![]()
التكنولوجيا لم تلغِ الواجب الاجتماعي، لكنها أعادت تشكيله![]()
وفي الوقت نفسه، تطرح هذه السهولة سؤالًا آخر: هل جعلت التكنولوجيا المشاركة في المناسبات أكثر سهولة وأقل كلفة، أم أنها وسّعت دائرة الالتزامات وأوجدت نوعًا جديدًا من الضغط الاجتماعي؟![]()
قبل سنوات، كان أداء الواجب الاجتماعي مرتبطًا بالحضور الشخصي في المقام الأول. وكان الغياب عن المناسبة يحتاج إلى اعتذار، فيما كان إرسال الهدية أو النقوط يتطلب ترتيبًا مسبقًا. أما اليوم، فقد أصبح البعد الجغرافي أقل تأثيرًا.![]()
قد يكون أحد أفراد العائلة في العقبة وآخر في إربد، وقد يكون أحد الأبناء يعمل في الخليج أو أوروبا أو الولايات المتحدة، ومع ذلك يستطيع أن يشارك في مناسبة عائلية من خلال تحويل مالي أو شراء هدية من متجر إلكتروني محلي وتسليمها مباشرة إلى أصحاب المناسبة. وتقول موظفة ثلاثينية، فضّلت عدم ذكر اسمها، إن الهاتف أصبح جزءًا من «عدة المناسبات».![]()
وتضيف: «في السابق كنت أحتاج إلى الذهاب إلى السوق وشراء هدية، خصوصًا إذا لم أتمكن من حضور المناسبة. الآن أستطيع اختيار هدية عبر الهاتف ودفع قيمتها وتحديد عنوان الشخص الذي ستصل إليه. الموضوع أصبح أسهل بكثير».![]()
لكنها ترى أن سهولة الأمر لا تعني دائمًا أنه أصبح أقل كلفة. «أحيانًا أشعر أن سهولة الشراء تجعلنا نشارك في مناسبات أكثر. في السابق كان البعد أو عدم القدرة على الذهاب سببًا للتأجيل، أما الآن فكل شيء أمامك بضغطة زر».![]()
النقوط.. من الظرف إلى الحساب![]()
كان ظرف النقوط يحمل رمزية اجتماعية واضحة؛ يوضع فيه المبلغ النقدي ويسلم إلى أصحاب المناسبة باليد، وأحيانًا كانت قيمة المبلغ نفسها تتحول إلى موضوع للمقارنة والتذكر. اليوم، دخل النقوط الإلكتروني إلى المشهد بصورة أكثر وضوحًا. فبدل أن يبحث الشخص عن النقود ويضعها في ظرف، يستطيع تحويل المبلغ مباشرة إلى حساب المستفيد أو محفظته الإلكترونية، أو استخدام إحدى الوسائل الرقمية المتاحة لإتمام الدفع.![]()
بالنسبة إلى البعض، هذه الطريقة أكثر راحة، خصوصًا للمغتربين أو لمن يتعذر عليهم حضور المناسبة. لكنها، في المقابل، تفقد شيئًا من الطقس الاجتماعي القديم، بحسب رأي آخرين. يقول الخمسيني رياض أو مصلح : «النقوط كان له شكل وطقوس. كنت تذهب، وتسلم الظرف، وتبارك، وتجلس مع الناس. الآن قد تصل الحوالة، وتنتهي المسألة برسالة على الهاتف» .![]()
ويضيف: «أنا مع التكنولوجيا، لكنها لا يجب أن تلغي الزيارة. المال يمكن أن يصل إلكترونيًا، لكن الإنسان لا يعوّضه التحويل».![]()
هدية تصل قبل صاحبها![]()
ولم تعد الهدية مرتبطة بالضرورة بوجود صاحبها في المكان. منصة إلكترونية، متجر متخصص، حساب على مواقع التواصل الاجتماعي أو خدمة توصيل، يمكن أن تختصر رحلة كاملة من اختيار الهدية إلى تغليفها وإرسالها. كما أن الهدايا نفسها تغيرت أيضًا. فإلى جانب الملابس والأدوات المنزلية والحلويات والزهور، أصبحت الخيارات أكثر تنوعًا: عطور، منتجات عناية شخصية، أجهزة إلكترونية، بطاقات شراء، هدايا مخصصة تحمل اسم صاحب المناسبة، صناديق تجمع أكثر من منتج، وحتى تجارب مثل حجوزات المطاعم أو الإقامات الفندقية أو الأنشطة الترفيهية.![]()
وفي مناسبات المواليد، على سبيل المثال، يمكن اختيار صندوق متكامل للطفل والأم وإرساله مباشرة إلى المنزل، بينما يستطيع المغترب اختيار هدية لأسرته من متجر داخل الأردن من دون الحاجة إلى انتظار عودته. هنا تتحول التكنولوجيا من مجرد وسيلة دفع إلى وسيط جديد للمجاملة الاجتماعية.![]()
المغترب.. حاضر رغم المسافة![]()
ربما يكون المغتربون من أكثر الفئات استفادة من هذا التحول. فالمغترب الذي كان في الماضي ينتظر عودته إلى الأردن لشراء الهدايا وتقديمها لأهله، يستطيع اليوم أن يشارك في المناسبات طوال العام.![]()
يقول الشاب نادر من الأردنيين المقيمين خارج المملكة إن التكنولوجيا جعلته «أقرب إلى أهله». ويشرح: «عندما تكون بعيدًا، أصعب شيء أن تشعر أنك تفوّت تفاصيل حياة أهلك. الآن إذا تزوج أحد الأقارب، أستطيع تحويل النقوط فورًا، أو إرسال هدية، أو طلب باقة ورد، وأحيانًا أطلب طعامًا للعائلة في المناسبة. أشعر أنني شاركت رغم أنني بعيد».![]()
لكن هذا الحضور الرقمي لا يلغي الحنين إلى الحضور الحقيقي. «في النهاية، أتمنى أن أكون بينهم. الهدية تصل، والمال يصل، لكن العناق لا يصل عبر الهاتف».![]()
التكنولوجيا تسهّل الواجب.. لكنها لا تلغي كلفته![]()
قد يبدو للوهلة الأولى أن التحول الرقمي خفف أعباء المناسبات، لأنه ألغى جزءًا من تكاليف التنقل والوقت والبحث عن الهدايا. لكن الصورة أكثر تعقيدًا. فسهولة الشراء الإلكتروني قد تدفع المستهلك إلى شراء المزيد، كما أن انتشار المناسبات وتداول صورها عبر مواقع التواصل الاجتماعي جعل دائرة المعرفة الاجتماعية أوسع.![]()
في السابق، كان الشخص يعرف بالمناسبة من خلال العائلة أو الأصدقاء أو بطاقة الدعوة. اليوم، قد يعرف الشخص بزفاف زميل سابق، أو نجاح ابن جار، أو خطوبة قريب بعيد، أو مناسبة شخصية لشخص يتابعه على مواقع التواصل الاجتماعي. وهكذا أصبحت المناسبات أكثر حضورًا في الحياة اليومية.![]()
يقول شاب في أواخر العشرينيات: «أحيانًا تفتح الهاتف فتجد عشرات المناسبات. إذا كنت ستشارك في كل واحدة منها، فستحتاج إلى ميزانية مستقلة».![]()
هل أصبح «النقوط» دينًا اجتماعيًا؟![]()
هذه النقطة تعيدنا إلى جوهر القضية. فالواجب الاجتماعي في الثقافة الأردنية لم يكن مجرد إنفاق مالي، بل كان جزءًا من منظومة أوسع تقوم على التراحم والتكافل والمشاركة. هذا ما صرح به الدكور حسين الخزاعي المختص بعلم الاجتماع. لكن، وبحسب د.خزاعي « عندما تتحول المشاركة إلى التزام لا يستطيع الفرد تجاهله خوفًا من العتب أو تفسير غيابه على أنه تقصير، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا».![]()
اقرأ أيضا: تشكيل الأفضل في العالم 2026 يشعل الجدل بغياب مبابي
ويقول المختص الاجتماعي إن المشكلة لا تكمن في العادة نفسها، وإنما في تحولها من اختيار نابع من المحبة إلى التزام اجتماعي مرهق. فالمشاركة في فرح قريب أو صديق قيمة إيجابية، لكن ينبغي ألا تتحول إلى اختبار للقدرة المالية. ويشير إلى أن اختلاف الظروف الاقتصادية بين الناس يجعل من الصعب اعتماد قيمة واحدة أو نمط واحد للواجبات الاجتماعية، لأن ما يستطيع شخص تحمله قد يكون عبئًا حقيقيًا على شخص آخر.![]()
«كم دفعت؟».. السؤال الذي لا يُقال دائمًا![]()
ويؤكد د. خزاعي أنه في كثير من المجتمعات، لا تُناقش قيمة الهدية أو النقوط بصورة مباشرة، لكنها تبقى حاضرة في الذاكرة الاجتماعية. مثل من دفع في زفاف فلان؟ ماذا قدم فلان عندما رزق قريبه بمولود؟ كم كانت الهدية؟».![]()
ومع انتقال النقوط إلى التحويلات الإلكترونية، يقول «قد تصبح معرفة المبالغ أسهل داخل الأسرة أو الدائرة المقربة، وهو ما قد يعزز المقارنة الاجتماعية بدل أن يقللها.![]()
وفي المقابل، يرى أن التحويل الإلكتروني قد يكون أكثر خصوصية، لأن الشخص يستطيع أداء واجبه من دون أن يضطر إلى إعلان قيمة ما قدمه أمام الآخرين».![]()
التجار يرون وجهًا آخر للمناسبات![]()
بالنسبة إلى قطاع التجارة، لا تمثل المناسبات عبئًا فقط على الأسر، وإنما توفر أيضًا موسمًا نشطًا للعديد من القطاعات. محال الملابس، والعطور، والزهور، والحلويات، والهدايا، والأدوات المنزلية، ومتاجر التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل، جميعها تستفيد من ارتفاع الطلب في مواسم المناسبات.![]()
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت طريقة التسويق لهذه المنتجات. فالمتجر لم يعد ينتظر الزبون ليدخل إليه، بل يستطيع الوصول إلى هاتفه بصورة مباشرة، وعرض أفكار الهدايا والأسعار وطرق التغليف والتوصيل. وهنا أصبح الهاتف جزءًا من دورة اقتصادية كاملة تبدأ من الإعلان وتنتهي بوصول الهدية إلى باب المنزل.![]()
هل نحتاج إلى إعادة تعريف «النقوط»![]()
ويختم د. الخزاعي حديثه بالموضوع ردًا على السؤال «ربما لا يحتاج الأردنيون إلى التخلي عن عاداتهم الاجتماعية الجميلة، بقدر ما يحتاجون إلى إعادة النظر في بعض تفاصيلها. فالمجتمع الذي يقدّر المشاركة والتكافل لا يحتاج إلى تحويل الفرح إلى منافسة مالية. ولا ينبغي أن يصبح حضور مناسبة ما مرتبطًا بقدرة الشخص على شراء هدية باهظة، أو دفع مبلغ معين، أو الظهور بملابس جديدة في كل مرة».![]()
ويؤكد « فالواجب الاجتماعي في جوهره ليس قيمة الظرف، ولا سعر الهدية، ولا حجم التحويل البنكي. إنه أن تقول للآخر: فرحتك تعنيني».![]()
جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.
اقرأ أيضا: افتتاحية مجلة الجيش: استقرار الجزائر.. “الواجب المقدس” – الشروق أونلاين