الخط المجهول.. ثغرة في الأمن القومي الرقمي! -جريدة المال

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تكن عقوبة السجن المؤبد التي صدرت بحق أحد الشباب – بعد أن أنكر حيازته واستعماله لشريحة هاتف محمول اعتُبرت دليلاً في قضيته – واقعة قضائية عابرة، بل كانت الشرارة التي فجرت حالة ذعر واسعة دفعت آلاف المستخدمين للبحث عن الخطوط المسجلة بأسمائهم عبر خدمة “أرقامي” التابعة للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات. وصادف ذلك توقف التطبيق لتحديثات فنية، فأعاده الجهاز التطبيق إلى العمل استجابة لضغط المستخدمين وللحاجة المُلحة إلى طمأنة المواطنين، لكنه أضاف خاصية إخفاء جزء من أرقام الخط تحت عنوان “حماية الخصوصية”.

اقرأ أيضا: دورة تدريبية بحقوق بنها عن مهارات البحث العلمي وإعداد الدراسات القانونية

 

وهنا أسجل تحفظي على هذا المبرر؛ فالتطبيق لا يعمل إلا ببيانات مُدخلة ومُتحقق منها – البريد الإلكتروني والرقم القومي ورقم الهاتف المسجل بذات البيانات – ومن ثم فإن من يُجري الاستعلام هو صاحب الحساب والخطوط ذاته، فمن غير المنطقي أن نحجب عنه بيانات خطوطه هو. ومع ذلك تبقى إعادة التشغيل خطوة محمودة أتاحت للمواطن أن يتأكد من خلو سجله من خطوط سُجلت ببياناته دون علمه.

ثم جاءت خطوة الجهاز الإيجابية بإحالة الشركات الأربع إلى النيابة العامة لتؤكد أننا لسنا بإزاء مخالفة إدارية أو شكوى فردية، وإنما أمام مساس مباشر بالهوية الرقمية للمواطن، في لحظة باتت فيها شريحة الهاتف وسيلة التحقق الأولى وركن الأمان في المنصات الحكومية والمصرفية كافة.

ولفهم جذور الأزمة، يتعين النظر في الكيفية التي تحولت بها الشريحة إلى “هوية موازية”. فقد اعتمد بيع الخطوط وتفعيلها لسنوات ماضية على شبكة واسعة من صغار الموزعين والوكلاء، وكثير منهم غير معتمد، بالإضافة إلى فروع شركات الاتصالات، وفي ظل سعي مندوبي المبيعات المحموم لتحقيق مستهدفاتهم وغياب الرقابة اللحظية على منافذ البيع، تسربت الاف الصور من بطاقات الرقم القومي واستُغلت في تفعيل شرائح جديدة دون حضور أصحابها أو توقيعهم على عقود الخدمة. وبذلك لم يعد رقم المحمول أداة للاتصال الصوتي، بل صار “مفتاحاً رقمياً” يمنح حائزه قدرة على التمثيل القانوني والتنفيذي للضحية أمام الجهات الحكومية والمالية دون أدنى علم من صاحب الهوية الأصلي.

من هنا يبرز التزام حتمي بإعادة تقييم جذرية لمنظومة حوكمة بيع الخطوط وتشغيلها؛ فلا يجوز أن تظل هذه الخدمة الحساسة – التي تمثل مفتاح هوية المواطن – متداولة خارج الرقابة الصارمة. وعلى الجهاز أن يُحكم قبضته الرقابية، وأن يفرض جزاءات مالية وإدارية قاصمة على أي شركة يثبت تفعيلها خطاً دون الحضور الفعلي للعميل، لننتقل من منطق رد الفعل وتلقي الشكاوى إلى منطق المنع الاستباقي عبر قنوات موثوقة تعتمد التوثيق المباشر والآمن.

وتتجلى الخطورة القصوى عند النظر في آلية عمل “منصة مصر الرقمية”، حجر الزاوية في خطة الدولة للتحول الرقمي. فالمنصة تربط في توثيقها بين الرقم القومي، ورقم المصنع المدون أسفل تاريخ الميلاد بالبطاقة، ورقم المحمول المسجل بالاسم، وكود التحقق OTP المُرسل برسالة نصية. وحين يحصل شخص سيئ النية على صورة البطاقة – وهي تتضمن الرقم القومي ورقم المصنع – ويكون حائزاً لخط مُفعل بذات البيانات، يصبح الباب مفتوحاً لاختراق حساب المواطن؛ إذ يستطيع إنشاء حساب جديد أو استرداد حساب قائم لتنساب رسائل التأكيد إلى خطه المجهول، ومن ثم العبث بالمركز القانوني والمالي للضحية.

وتتضاعف هذه التداعيات مع اقتراب العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي يعتمد التحول الرقمي عبر إجراء الإعلانات القضائية وإخطارات التكليف بالحضور وأوامر الضبط بواسطة الرسائل النصية القصيرة المرسلة إلى الرقم المسجل رسمياً. وعلى الرغم مما يمثله ذلك من تسريع لوتيرة التقاضي، فقد يتحول إلى سيف مسلط على رقاب الأبرياء في فوضى الخطوط المجهولة؛ إذ يرتب القانون على الإعلان الإلكتروني أثره الكامل مفترضاً “العلم اليقيني أو الحكمي” للخصم. فإذا أُعلن المواطن عبر خط يحوزه غيره، ظل غافلاً عن الإجراءات المتخذة ضده، لتصدر أحكام غيابية وتفوت مواعيد المعارضة والاستئناف، فتستقر الأحكام وتصبح واجبة النفاذ، ليُفاجأ بريء بقيد على حريته عند سفره أو ضبطه، لمجرد شريحة بيعت باسمه واستخدمت عنواناً قانونياً له دون علمه.

ولا تقف المخاطر عند حد الإجراءات القضائية، بل تمتد إلى شبكة معقدة من الجرائم المالية والسيبرانية؛ فالشرائح المسجلة بأسماء غير حائزيها تُستخدم في فتح المحافظ الإلكترونية التي قد تستقبل متحصلات النصب والابتزاز وتجارة المخدرات وغسل الأموال، وتُتخذ ستاراً لجرائم التهديد والسب والقذف. وحين تتبع الأجهزة الأمنية مسار الجريمة رقمياً، تتجه أصابع الاتهام فوراً إلى صاحب البطاقة المدونة في قواعد بيانات شركة الاتصالات، فيجد نفسه في موقف دفاعي شاق لإثبات عدم استخدامه وانفصاله عن خط لم يحُزه قط.

وفي هذا الإطار تبرز مسألة المسؤولية. فشركة الاتصالات مشغل الخدمة تتحمل مسؤوليةً جنائية ومدنية مباشرة عن تفعيل أي خط دون التحقق من الحضور الفعلي للعميل وبياناته، إذ يُكيف الفعل بوصفه تزويراً في المحررات واستغلالاً غير مشروع للبيانات الشخصية وفق قانون حماية البيانات، فضلاً عن التزامها بتعويض المتضررين. ويتحمل الجهاز القومي مسؤوليته الرقابية في الرصد والمتابعة وإحالة المخالفين، بينما يقع على المواطن التزام إيجابي بحماية هويته عبر الفحص الدوري لأرقامه والإبلاغ الفوري عن أي خط مجهول، إخلاء لمسؤوليته وحماية لموقفه القانوني.

اقرأ أيضا: حبس صانعة محتوى بتهمة نشر فيديوهات مخلة في الجيزة – الأسبوع

وفي خضم البحث عن حلول تقنية، ترتفع أصوات تنادي باعتماد التوثيق البيومتري – كبصمة الوجه – شرطاً لتفعيل الخطوط. وهنا تلزم وقفة تحذير؛ فالتأمل المتأني في جمع الشركات الخاصة لهذه البيانات يكشف عن مخاطر تفوق أزمة الخطوط الوهمية ذاتها. إذ لا يوجد – على حد علمنا – وسيط حكومي تستطيع الشركات من خلاله التحقق اللحظي من صحة البصمة الحيوية للوجه ومطابقتها، على خلاف بصمات الأصابع، أو بيانات الرقم القومي النصية التي يجري التحقق منها عبر وزارة الداخلية. وهذا الفراغ التقني قد يعني أن تضطر الشركات إلى بناء قواعد بيانات خاصة تضم بصمات وجوه الملايين من المواطنين.

والسماح للشركات الخاصة بتكوين قواعد بيانات بيومترية ضخمة يُلقي بظلال ثقيلة على أمن المواطنين وخصوصيتهم؛ فالبيانات البيومترية – بخلاف كلمات المرور والأرقام – لا تُبدل إذا اختُرقت، فبصمة الوجه ثابتة ملازمة لصاحبها مدى حياته. ومع التطور المرعب لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، صار توليد مقاطع الفيديو المزيفة واستنساخ الصور متاحاً يسيراً لمن يملك البيانات الأولية. فإذا تعرضت هذه القواعد لتسريب – وهو احتمال قائم في عالم الأمن السيبراني – فذلك يعني تسليم الهوية البيومترية للمواطنين إلى القراصنة، بما يفتح باب انتحال الشخصية البيومتري، وتجاوز أنظمة الحماية البنكية، وابتزاز المواطنين بمقاطع مختلقة يصعب على الخبراء تمييزها عن الحقيقة.

لذا يتعين الحذر الشديد في تطبيق تقنيات التحقق. فإن اتُجه إلى ربط تفعيل الخطوط ببصمة الوجه، فيجب ألا تحتفظ شركات الاتصالات بهذه البيانات إطلاقاً، وأن تجري المطابقة اللحظية عبر خوادم حكومية سيادية مشفرة تابعة لجهة مختصة، بحيث تعود النتيجة إلى الشركة بـ”نعم” أو “لا” دون أن تطلع على البصمة أو تحتفظ بنسخة منها، على أن يُحاط ذلك كله بسياج تشريعي متين يمنع أي كيان تجاري من تخزين السمات الحيوية للمواطنين.

وختاماً، فإن أزمة الخطوط المجهولة جرس إنذار مبكر يعكس تعقيدات التحول الرقمي، وقد باتت حماية الهوية الرقمية للمواطن ضرورة تتصل باستقرار المعاملات المالية ونزاهة الإجراءات القضائية وسلامة الأمن المجتمعي. والمطلوب تضافر الأجهزة الرقابية والتشريعية لفرض حوكمة صارمة على قطاع الاتصالات، وحماية البيانات الشخصية، وضمان ألا يتحول التقدم التقني والإجرائي إلى فخ قانوني للمواطن حسن النية، مع وعي كامل بمخاطر التوسع في البيانات البيومترية بعيداً عن الإشراف السيادي المباشر في عصر الذكاء الاصطناعي.

* استشاري التشريعات الرقمية والملكية الفكرية

اقرأ أيضا: الصين تتخد إجراءات غلق عاجلة وسط استمرار هطول أمطار غزيرة

‫0 تعليق