“الجانب الآخر من الشمس”.. حين عاد الناجون إلى صيدنايا…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عمان- ليس سهلاً أن تدخل الكاميرا مكاناً ارتبط لعقود بالخوف والموت، فيما لا تزال الذاكرة فيه حاضرة قبل أن يتحول إلى موقع تاريخي أو أرشيف مغلق. هذا تحديداً ما يفعله توفيق صابوني في فيلمه الوثائقي “الجانب الآخر من الشمس”، حين يعود مع أربعة ناجين إلى سجن صيدنايا في ديسمبر 2024، بعد سقوط النظام السوري السابق مباشرة.اضافة اعلان
القيمة الأساسية للفيلم لا تأتي من كشف المكان وحده، بل من توقيت العودة إليه. صيدنايا هنا ليس سجناً يُستعاد بعد سنوات من خلال الصور والشهادات، بل مكان خرج للتو من وظيفته السابقة. الحراس غابوا، لكن الزنازين والممرات والأبواب بقيت، وكذلك الذاكرة التي يحملها الناجون في أجسادهم.
وحقّق الفيلم إنجازاً بارزاً في الدورة السابعة من مهرجان عمان السينمائي الدولي- أول فيلم، بتتويجه بثلاث جوائز رئيسية في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة العربية الذي اختتم مؤخرا. لذلك لا يصوّر الفيلم الماضي بقدر ما يصوّر اللحظة التي بدأ فيها الماضي يتكوّن.
العودة إلى المكان الحقيقي
يعتمد الجانب الآخر من الشمس على مواجهة مباشرة بين الناجين والمكان الذي احتجزهم. يعرف هؤلاء الرجال صيدنايا، لكن معرفتهم به خلال الاعتقال كانت ناقصة ومجزأة، محكومة بالظلام والخوف ومنع الحركة والنظر. عندما يعودون إليه أحراراً، يكتشفون تفاصيل لم يكن ممكناً إدراكها داخل تجربة السجن نفسها. المكان الذي عاشوه من خلال الأصوات والأوامر والخوف يصبح مرئياً أمامهم كاملاً.
هنا تكمن قوة الفيلم.. لا يحتاج صابوني إلى خطاب سياسي مباشر حول معنى التحرر. التغيير يظهر ببساطة في العلاقة الجديدة بين الناجين والمكان. السجن ما زال كما هو تقريباً، لكن الأشخاص الذين يتحركون داخله لم يعودوا خاضعين لقوانينه.
الجسد يتحول لذاكرة
أبرز ما يميز الفيلم هو ابتعاده عن الشكل التقليدي للوثائقي القائم على المقابلات. الناجون لا يكتفون بالحديث عن الماضي، بل يعيدون تجسيد بعض الحركات والعادات التي فرضت عليهم داخل السجن: طريقة النوم، السير، الانحناء، تجنب النظر إلى الحراس، وتقاسم المساحات الضيقة.
لا يتعلق الأمر بإعادة تمثيل درامية. لا يوجد ممثلون يؤدون أدوار السجناء، بل ناجون يعيدون بواسطة أجسادهم حركات تعلموها تحت القمع. فالجسد هنا يتحول إلى أرشيف.
وهذا ربما أكثر أفكار الفيلم قوة. فالذاكرة ليست فقط ما يتذكره الإنسان ويقوله، بل ما بقي مخزناً في حركته وردود فعله وطريقة تعامله مع المكان.
يستخدم صابوني هذا الأسلوب أيضاً بديلاً من الأرشيف الصادم. لا يعتمد الفيلم على صور التعذيب أو الدماء أو التراكم البصري للعنف، بل يركز على أثره. يكفي أحياناً تردد أحد الرجال أمام باب، أو استعادة طريقة كان عليه أن يخفض بها رأسه، لكي تصبح طبيعة المكان واضحة.
صيدنايا كشخصية
لا يتعامل الفيلم مع صيدنايا بوصفه خلفية للأحداث. الجدران الإسمنتية، الأبواب الحديدية، الممرات والزنازين تتحول إلى جزء أساسي من السرد.
الهندسة نفسها تشرح طبيعة السلطة التي حكمت المكان. فالسجن لم يكن مصمماً فقط لمنع الخروج، بل للتحكم في الرؤية والحركة وحتى إحساس السجين بالمسافة والمكان.
وتكشف إحدى الشهادات هذا المعنى بوضوح حين يتذكر أحد الناجين أنه كان يتخيل الحراس كائنات ضخمة ومرعبة بسبب منع السجناء من النظر إليهم، قبل أن يكتشف مصادفة أن أحدهم مجرد رجل صغير الحجم. إنها لحظة تختصر آلية الخوف التي تمنح السلطة حجماً أكبر من حقيقتها.
حتى الصوت يؤدي وظيفة مشابهة. وقع الخطوات وصدى الممرات وإغلاق الأبواب والصمت الطويل ليست إضافات جمالية، بل جزء من استعادة تجربة العزلة نفسها.
ويصعب مشاهدة الجانب الآخر من الشمس من دون التفكير في فيلم Ghost Hunting ” اصطياد الأشباح” للمخرج الفلسطيني رائد أنضوني، الذي اعتمد هو الآخر على إعادة التجسيد لمواجهة ذاكرة الاعتقال. لكن الفرق بين التجربتين جوهري.
ففي “اصطياد الأشباح” أعاد أنضوني بناء سجن المسكوبية داخل مستودع في رام الله، لأن العودة إلى المكان الحقيقي لم تكن ممكنة. يصبح بناء السجن من الذاكرة جزءاً أساسياً من الفيلم، ويتحول إلى مساحة للسيكودراما ومواجهة الصدمة.
أما صابوني فلا يعيد بناء صيدنايا، بل يدخل إليه فعلياً.
هذا الاختلاف يغيّر طبيعة التجربة. عند أنضوني، الذاكرة تعيد بناء المكان. وعند صابوني، المكان الحقيقي يستدعي الذاكرة.
كما أن النبرة مختلفة في فيلم أنضوني أكثر ميلاً إلى المواجهة النفسية والانفجار العاطفي، بينما يتعامل صابوني مع التجربة بقدر أكبر من الهدوء وضبط الانفعال، ويترك مساحة للصمت والتضامن بين الناجين.
من المنفى إلى العودة
يمكن أيضاً وضع الفيلم ضمن سياق أوسع من السينما السورية التي تناولت السجن والذاكرة من الخارج، بما فيها التجارب المرتبطة بأليسار جندلي، المعروفة أيضاً باسم أليسار حسن، وأفلام جيل اعتمد كثيراً على الأرشيف، واللقطات المسربة، وشهادات السوريين في بلدان اللجوء.
كانت المسافة جزءاً أساسياً من تلك السينما، لأن الوصول إلى المكان الأصلي لم يكن ممكناً.
الجانب الآخر من الشمس ينتمي إلى لحظة مختلفة تماماً. هنا يحدث الانتقال من تذكر المكان في المنفى إلى العودة الفعلية إليه.
بدلاً من استدعاء صيدنايا من خلال صورة قديمة أو شهادة بعيدة، يضع صابوني الناجين داخل الموقع نفسه. وهذا يمنح الفيلم ثقلاً وثائقياً يصعب تكراره لاحقاً.
ولكن في فيلم صابوني تحولت قوة التركيز على المكان والذاكرة الجماعية لتأتي أحياناً على حساب الشخصيات نفسها. نعرف هؤلاء الرجال باعتبارهم ناجين من صيدنايا أكثر مما نعرفهم كأشخاص يعيشون حياة كاملة خارج السجن.
كان من الممكن أن يمنح الفيلم مساحة أكبر لعائلاتهم أو أعمالهم أو حياتهم الحالية، خصوصاً أن السجن حاول في الأصل محو فرديتهم وتحويلهم إلى أرقام وأجساد خاضعة.
كما يبقى سؤال إعادة الصدمة النفسية حاضراً. العودة إلى المكان الذي تعرض فيه الإنسان للتعذيب ليست خطوة بسيطة، وكان من الممكن التوسع أكثر في كيفية اتخاذ قرار العودة والاستعداد النفسي لها.
وتخلق إعادة التجسيد داخل مساحات متشابهة بصرياً شيئاً من التكرار في بعض الأجزاء، وإن كان ذلك مرتبطاً أيضاً بطبيعة المكان نفسه.
ثلاث جوائز في “عمان السينمائي”
حصد الجانب الآخر من الشمس ثلاث جوائز في مهرجان عمّان السينمائي الدولي ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية العربية الطويلة: جائزة لجنة التحكيم، وجائزة الجمهور، وجائزة فيبريسي التي يمنحها الاتحاد الدولي لنقاد السينما. كما سبق أن عُرض ضمن بانوراما مهرجان برلين السينمائي وحل ثانياً في تصويت الجمهور للأفلام الوثائقية.
وتحمل جائزة فيبريسي أهمية خاصة، لأنها تضع التركيز على المعالجة السينمائية، لا على أهمية الموضوع وحده. فصيدنايا بحد ذاته موضوع قادر على إنتاج استجابة عاطفية قوية، لكن قيمة فيلم صابوني تأتي من الطريقة التي يحول بها الشهادة إلى لغة بصرية، ويستخدم المكان والجسد والصمت بدلاً من استعراض العنف.
في “الجانب الآخر من الشمس” لا تكمن الصورة الأقوى في رؤية ما حدث داخل صيدنايا، بل في رؤية أشخاص نجوا منه يعودون إليه بعد سقوط السلطة التي حكمته.
السجن والذاكرة موجودان، لكن العلاقة بينهما تغيرت. وهذه تحديداً هي اللحظة التي نجح صابوني في التقاطها قبل أن تصبح جزءاً بعيداً من التاريخ.

اقرأ أيضا: من الدبيبة والمنفي إلى حفتر وعقيلة صالح.. فيدان يطرق أبواب القوى الليبية كافة

‫0 تعليق