الأردن الأكثر حرارة.. هل تكفي خطط التكيف لمواجهة مناخ يتغير؟…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عمان – قرابة عقد واحد كان كافيا لتتغير ملامح الصيف في الأردن، فموجات حر تتكرر خلال الشهر الواحد، وأخرى تطول لأيام متواصلة، وأرقام قياسية تتساقط من سجلات محطات الرصد، بالتزامن مع مواسم مطرية متذبذبة وفترات جفاف تركت أثرها على المياه والزراعة.اضافة اعلان
فقد سجلت المملكة خلال السنوات الماضية صورا يصعب فصلها عن هذا التحول؛ ففي تموز (يوليو) عام 2023، موجتا حر سجلت خلالهما درجات الحرارة 46.2 و47.7 درجة مئوية في غور الصافي، ثم جاء آب (أغسطس) من العام نفسه بموجة امتدت 13 يوما، وصُنفت كأطول موجة حر في السجل المناخي المحلي.
ولم يتوقف المسار عند ذلك الصيف، إذ حمل حزيران (يونيو) 2024 موجتين متتاليتين امتدتا سبعة وتسعة أيام، وسجلت محطة مطار عمان المدني 40.8 درجة مئوية كأعلى درجة مسجلة في هذه الفترة، قبل أن تأتي موجة آب (أغسطس) التي أبقت الحرارة العظمى في المحطة نفسها عند 40 درجة مئوية لأكثر من سبعة أيام متتالية.
قد تبدو هذه الأرقام بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية، لكنها في بلد مثل الأردن تتحول سريعا إلى تساؤلات حول ارتباطها بالأمن الغذائي والمائي، فارتفاع درجات الحرارة يعني تبخرا أكبر واحتياجات مائية أعلى للمحاصيل.
فيما يؤدي تذبذب الهطل المطري وفترات الجفاف إلى تضييق هامش المناورة أمام المزارع الذي لا يملك كثيرا من الخيارات عندما تنخفض مياه الري أو تتضرر محاصيله.
وهذه الصورة التي جاء بها تقرير جديد لدائرة الأرصاد الجوية حول ارتفاع المعدل السنوي لدرجات الحرارة في الأردن بنحو 1.6 درجة مئوية خلال 100 عام، وفق بيانات محطة رصد مطار عمان المدني للفترة (1923–2025)، لم تفاجئ صانع القرار بالكامل.
فالبلاغ الوطني الرابع للأردن كان قد وضع سيناريوهات لما يمكن أن تحمله العقود المقبلة، مقدرا أن ارتفاع درجات الحرارة العظمى قد يصل إلى 3.1 درجة مئوية، وأن الهطول قد ينخفض بما يصل إلى 47 % بحلول نهاية القرن في السيناريو الأعلى للانبعاثات، بالتزامن مع ارتفاع التبخر-نتح المحتمل بنحو 11 %.
ولهذا، لم يكن التكيف مع تبعات التغير المناخي، التي من بينها ارتفاع درجات الحرارة، خيارا مؤجلا للمستقبل، فالمملكة وضعت خططا وطنية لتلك الغاية، لكن وجودها لا يترجم على أرض الواقع بالشكل الكافي، بحسب خبراء في الشأن المناخي والمياه والزراعة.
وبحسبهم، تصبح الصورة أكثر تعقيدا لأن التكيف لا يعني منع تغير المناخ، وإنما تقليل الخسائر الناتجة عنه، فيما يبقى التخفيف المسار الضروري للحد من أسبابه عبر خفض الانبعاثات، والتحول إلى الطاقة النظيفة، وكفاءة استخدام الموارد وحماية النظم البيئية.
انعكاسات سلبية على قطاع المياه
ومن وجهة نظر رئيس مجلس إدارة جمعية إدامة للطاقة والمياه والبيئة، د. دريد محاسنة، فإن تبعات التغير المناخي لا تقتصر فقط على ارتفاع درجات الحرارة، كما أن لها انعكاسات “سلبية” على قطاع المياه، وعلى قدرة الأردن على تلبية احتياجات الأفراد من المياه.
وأضاف لـ”الغد” أن الأردن يعد من الدول الفقيرة في مصادر المياه، ما يتطلب الحفاظ، ما أمكن، على ما تبقى منها، والبحث عن مصادر جديدة أخرى.
ولفت إلى أن التغير المناخي سيزيد من حاجة القطاع الزراعي إلى استعمالات المياه التي تفوق حاليا ما نسبته 60 %.
وأكد أن القطاع الاقتصادي والسياحي بات يعاني من تبعات ارتفاع درجات الحرارة وأزمة المناخ التي تطال الأردن، لكن لا يلقى “الأهمية المطلوبة” من قبل صناع القرار لغاية الآن.
أما على الصعيد العالمي، فقد نالها نسبة كبيرة من تأثيرات التغير المناخي من جفاف الأنهار وارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق، ما كبد العديد من الدول الأوروبية خسائر مادية وبشرية خلال الفترة الماضية، بحسبه.
ورغم كل ما يحدث على الصعيدين المحلي والعالمي، فإن الحكومات “لا تستفيد من هذه الدروس القاسية”، كما وصفها محاسنة.
وبيد أن الأردن، وفق ما يرى، بدأ “يولي بعض الأهمية”، ممثلا بوزارة البيئة، لخطط التكيف المناخي، لكن العمل ما يزال “غير كاف”.
منحنى سياسي
وشدد على أن تغير المناخ أخذ منحنى سياسيا خلال السنوات العشر الماضية، أثر بشكل سلبي على العمل المناخي عالميا، وحتى مؤتمرات قمم المناخ قد “تراجع تأثيرها وزخمها السابق”.
لذلك، وبحسب قوله، يجب أن يضطلع الأردن بدور قيادي على الصعيد “العربي والإقليمي” في دفع عجلة العمل المناخي.
ودعا إلى التوجه نحو تغيير السيناريوهات القائمة للتعامل مع تحديات التغير المناخي في الأردن، وتبني “جهد وطني” لا تساهم فيه وزارة البيئة وحدها، وإنما مؤسسات ووزارات حكومية أخرى.
ولعل الخلل كذلك، كما يراه محاسنة، يكمن في التشريعات والدور التشريعي لمجلس النواب الذي “لا يقدم الكثير في هذا الجانب”، مع إدماج التعليم المناخي في المناهج الطلابية، سواء في المدارس أو الجامعات.
رسالة إنذار وطنية
ولم يعد تغير المناخ بالنسبة للأردن قضية “مستقبلية”، أو مجرد “توقعات علمية”، كما يرى رئيس اتحاد الجمعيات البيئية “الاتحاد النوعي”، عمر الشوشان، بل أصبح “واقعا” تقيسه سجلات المملكة المناخية.
ولفت لـ”الغد” إلى أن ارتفاع المعدل السنوي لدرجات الحرارة خلال القرن الماضي يمثل رسالة “إنذار وطنية”، ليس للأرصاد الجوية وحدها، وإنما لصانع القرار الاقتصادي والتنموي، لأن آثار الاحترار تمتد مباشرة إلى المياه والزراعة، والصحة والأمن الغذائي، والتنوع الحيوي والمدن، والبنية التحتية.
وشدد على أن الأردن ليس “فقيرا” في الخطط والسياسات المناخية؛ إذ يمتلك سياسة وطنية للتغير المناخي للأعوام 2022–2050، وخطة وطنية للتكيف، ووثيقة المساهمات المحددة وطنيا، وتقارير البلاغات الوطنية، واستراتيجيات قطاعية متعددة، مشيرا إلى وثيقة المساهمة المحددة وطنيا الثالثة التي يجري العمل على إعدادها من قبل وزارة البيئة حاليا، والتي تتجه نحو دمج التكيف والتخفيف والمرونة المناخية في مختلف القطاعات، وتعزيز تتبع التمويل المناخي.
لكن التحدي الحقيقي، بحسبه، يكمن في “عدم اتساق” الجهد الوطني المناخي “بالقدر الكافي”.
وتابع قوله: “إن المسؤولية المناخية ما تزال موزعة بين قطاعات ومؤسسات ومشاريع، من دون أن تتحول بصورة كاملة إلى منظومة وطنية متكاملة تربط التخطيط بالتمويل والتنفيذ والقياس والمساءلة، وهنا تبرز قضية التمويل المناخي باعتبارها الحلقة الأكثر أهمية”.
ولا يمكن، بحسب قوله، مطالبة الوزارات والقطاعات بتنفيذ إجراءات التكيف والتحول منخفض الكربون دون معرفة حجم التمويل المطلوب، ومدى توفره محليا ودوليا، وآلية إنفاقه، وما هي النتائج المتوقعة من هذا الاستثمار.
جذب التمويل المناخي
لكنه أكد في الوقت ذاته أن الأردن “قادر على جذب التمويل المناخي” عندما يضع مشروعا وطنيا وإستراتيجيا وقابلا للتمويل.
ولتحقيق تلك الغاية، دعا إلى الانتقال من تمويل مشاريع “منفردة” إلى وضع “منظومة وطنية” للتمويل المناخي تربط الموازنة العامة والاستثمار، والقطاعين المصرفي والخاص، والصناديق الدولية بأولويات المناخ الوطنية.
ونوه إلى أن صندوق النقد الدولي قد أشار في وقت سابق إلى أهمية تعزيز بيئة الاستثمار المناخي، والانتقال إلى سياسة تمويل قائمة على “المخاطر”، في ظل “محدودية الحيز المالي في الأردن”.
كما أن إطلاق مشروع دعم جاهزية الأردن لتنفيذ NDC 3.0، بدعم من الصندوق الأخضر للمناخ، يؤكد، وفق الشوشان، أن بناء القدرات ونظم تتبع التمويل والقدرة المؤسسية أصبحت “جزءا أساسيا من المرحلة المقبلة”.
وحث الحكومة ليس على إعداد خطة مناخية جديدة، وإنما على “توحيد الجهد الوطني” حول برنامج تنفيذي “واضح”، ذي موازنة ومؤشرات أداء ومسؤوليات “محددة”، وأن يصبح المناخ جزءا من كل قرار يتعلق بالمياه والطاقة والزراعة والنقل والصناعة والتخطيط الحضري.
وشدد على أن الأردن يمتلك المقومات العلمية والمؤسسية والخبرات الوطنية التي تؤهله لأن يكون “نموذجا إقليميا ودوليا” في العمل المناخي، لكن هذه المكانة لن تتحقق “بكثرة الإستراتيجيات وحدها”، وإنما بالقدرة على تحويلها إلى استثمارات ومشاريع ونتائج قابلة للقياس.
وأضاف أن تقرير الأرصاد الجوية حول ارتفاع الحرارة يجب أن يكون بمثابة “نقطة انتقال” من إدارة المناخ “كملف بيئي” إلى إدارته “كأولوية وطنية” اقتصادية وتنموية وأمنية.
وبين أن المناخ الأردني “تغير بالفعل”، لذلك فإن السؤال لم يعد ينحصر في مدى القدرة على التكيف، بل في إمكانية النجاح في جعل التمويل والخطط والعمل المناخي “أسرع من التغير الذي تواجهه المملكة”.
تخوف من تلف
المحاصيل الزراعية
ولا يشكل تقرير الأرصاد الجوية الأخير “صدمة” أو “أمرا غير متوقع” للعاملين في القطاع الزراعي، لأن العالم “قد فشل” في احتواء ظاهرة التغير المناخي، أو “الحد منها”، وخاصة في ظل تنامي معدلات الحروب والنزاعات المسلحة، وفق مدير عام اتحاد المزارعين، م. محمود العوران.
ولفت لـ”الغد” إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات عالميا كان له بعض النتائج الإيجابية بدفع الأفراد إلى اقتناء السيارات الكهربائية، والذي يعد من بين الخطوات المدرجة ضمن العمل المناخي.
وأضاف أن الأردن لم يتخذ إجراءات “كبيرة” في التعامل مع تداعيات أزمة المناخ الكامنة في ارتفاع درجات الحرارة.
ودلل على رأيه بزيادة المسطحات الإسمنتية على حساب المساحات الخضراء، والتي كان آخرها قرار استملاكات الأراضي والتوسع في السكك الحديدية.
ومن دون الأبحاث العلمية التي تحدد نوع الإنتاج النباتي الذي يجب أن يتجه نحوه الأردن في ظل تبعات التغير المناخي، فإن “استنزاف الموارد المائية” سيبقى كما هو، تبعا له.
وشدد على أن الارتفاع في درجات الحرارة سيؤدي إلى استهلاك المزيد من المياه، رغم أنه لن يكون إلا لفترات محدودة.
ودعا العوران المزارعين إلى تحديد ساعات استخدام المياه في الأوقات التي لا تكون فيها درجات الحرارة عالية، مثل الصباح الباكر أو في ساعات مسائية متأخرة.
إلا أنه أبدى تخوفه من تلف المحاصيل الزراعية بسبب ارتفاع الحرارة، والذي سيشكل “خطرا” على الأمن الغذائي، وبالتالي “ارتفاعا حادا” في أسعار بعض المنتجات.
وفي رأيه، فإن خطط التكيف المناخي لم يُدرج فيها إنتاج أصناف تتلاءم والتغيرات المناخية، فيما دعا الحكومة إلى وضع خطط طوارئ للتعامل مع أزمة المياه عبر التوسع في الحصاد المائي في القطاع الزراعي.

اقرأ أيضا: تآكل متسارع لمكانة “إسرائيل”.. كيف تحوّل الضغط الدولي إلى كلفة سياسية واقتصادية؟

‫0 تعليق