استقالة مفاجئة لمحافظ “مصرف ليبيا”.. ما تفاصيل الضغوطات وتأثير الخطوة؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في خطوة مفاجئة ومربكة.. قدم محافظ المصرف المركزي في ليبيا، ناجي عيسى استقالته من منصبه، مطالبا مجلسي النواب والدولة بإعفائه من الاستمرار في مهامه، مؤكدا أنه لن يعلن عن أسباب اتخاذ الخطوة لحساسية هذه الأسباب، وفقا لرسالة رسمية وجهها إلى رئاسة مجلس النواب ورئاسة المجلس الأعلى للدولة.

اقرأ أيضا: البنك الدولي: الأردن نفّذ 33 إجراء جديدا من مشروع يعزز إدارة الإصلاح خلال 5 أشهر

وجاءت الرسالة، التي وصلت “عربي21” نسخة منها في توقيت شديد الحساسية اقتصاديا وسياسيا، مع تراجع القوة الشرائية للدينار وأزمة الإنفاق العام وبدء تنفيذ اتفاق الميزانية الموحدة.

“رفض وصلاحيات منقوصة”
وفي أول رد فعل على هذه الخطوة، أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه طلب الاستقالة، مطالبا المحافظ ونائبه بمواصلة أداء المهام المنوطة بهما كاملة لحين البت في طلب الاستقالة، متعللا بالظروف التي تمر بها البلاد وضرورة الحفاظ على استقرار الأوضاع المالية والنقدية وضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة.

في حين لم يعلق مجلس النواب الليبي على الخطوة ولم يعقد أي جلسة طارئة بالخصوص، لكن لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة بالمجلس طالبت محافظ مصرف ليبيا المركزي بالعدول عن استقالته والاستمرار في مهامه، كون قبول الاستقالة في هذا التوقيت الحرج قد ينعكس سلبا على استقرار سوق الصرف وثقة المؤسسات المالية الدولية والوضع الاقتصادي العام.

ولم يعلق المجلس الرئاسي الليبي، الذي قام بإقالة المحافظ السابق الصديق الكبير، على طلب الاستقالة، لكن عضو المجلس، موسى الكوني تحدث بصفة شخصية وطالب المحافظ باستمرار قيادة المصرف وانتظام عمله، مؤكدا أن هذا الأمر ضرورة وطنية لحماية استقرار المنظومة المالية والنقدية، وتفادي فراغ مؤسسي قد تكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية واسعة.

اظهار أخبار متعلقة


“تحديات مصرفية متراكمة”
وجاءت خطوة الاستقالة من قبل المحافظ ونائبه في توقيت شديد الصعوبة كون المؤسسة المالية السيادية “المصرف” تواجه أزمات متتالية ومتراكمة تتعلق بسعر الصرف والسياسة النقدية والإنفاق العام، كما أن العملة المحلية “الدينار الليبي” يتعرض للكثير من الضغوط حيث وصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى 9 دنانير لأول مرة في تاريخ ليبيا وذلك بعد ساعات من خبر استقالة المحافظ.

لكن الغريب في الخطوة أنها جاءت بعد حدث مالي كبير في ليبيا حيث نجحت الإدارة الأميركية في إقناع الأطراف المتنازعة محليا بالاتفاق حول ميزانية موحدة لليبيا لأول مرة منذ 13 عاما من الميزانيات المنقسمة، لتطرح الاستقالة في هذا التوقيت مزيدا من التساؤلات حول الأسباب والضغوط التي يتعرض لها المصرف ومحافظه وجدية تطبيق الموازنة الموحدة في ظل استمرار الانقسام الحكومي والمؤسسي في البلاد.

“أرقام مفزعة وتهديد الاستقرار النقدي”
وتتلخص تحديات المصرف المركزي في ليبيا في: تضاعف العجز المالي وارتفاع الدين العام الخارجي وكذلك توسع الإنفاق العام، غضافة إلى ضغوط سياسية وعسكرية على المحافظ والمصرف بسبب تسييل أموال لدعم كل مؤسسة على حدة “حكومتين، جيشيين”.

وفي نيسان/ أبريل من عام 2026، صدر تقرير لخبراء صندوق النقد الدولي وفي الجزء الخاص بليبيا ذكر التقرير أن الدين العام في ليبيا ارتفع إلى نحو 146% بينما بلغ العجز المالي نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وأن الإنفاق العام توسع إلى مستويات غير مستدامة، خاصة الإنفاق الحكومي الذي توسع إلى مستويات تتجاوز قدرة الاقتصاد على التحمل، واستمرار هذا المسار يفرض ضغوطاً متزايدة على سعر صرف الدينار والاحتياطيات الأجنبية والتضخم، وفق التقرير الدولي.

اظهار أخبار متعلقة


“تعيين بصفقة سياسية”
وفي نهاية أيلول/ سبتمبر 2024، عين مجلس النواب الليبي، ناجي عيسى محافظا للمصرف المركزي خلفا للمحافظ السابق، الصديق الكبير وذلك بموافقة 108 من أعضاء البرلمان، وتم التعيين إثر صفقة سياسية بين حكومة الدبيبة والرئاسي من جانب وقوات حفتر والبرلمان من جانب آخر بعد أزمة إقالة “الصديق الكبير” التي رفضها حفتر والبرلمان وأغلقوا الحقول النفطية كرد فعل، لكن تعيين ناجي عيسى جاء لينهي الأزمة وكذلك إغلاق المنشآت النفطية شرقا والتي استمرت لأكثر من شهر.

“ضغوط سياسية وتساؤلات”
مراقبون رأوا أن الاستقالة جاءت بعد ضغوط سياسية وربما أمنية على المحافظ والمؤسسة، كون كل جهة تريد ميزانية كبيرة لها دون محاسبة أو تقدير للظروف الاقتصادية للدولة، وأن المصرف عجز عن توفير كل هذه الميزانيات فقرر محتافظه الاستقالة لإحراج هؤلاءـ، لكنه نظرا للظروف الأمنية لا يستطيع المحافظ ذكر هذه الأسباب، وفق كلامهم.

لذا يطرح “عربي21” بعض التساؤلات حول الخطوة ومنها: ما الكواليس والأسباب الحساسة وراء الاستقالة التي امتنع المحافظ عن ذكرها؟.. وكيف يؤثر ذلك على الوضع المالي والاقتصادي في ليبيا؟

“أزمة تسييس المؤسسات السيادية”
وجهنا تساؤلاتنا لعضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، إبراهيم صهد والذي أكد أنه “من الصعب الجزم بالأسباب الحقيقية التي دفعت المحافظ ونائبه إلى الاستقالة، ما لم تتضح بصورة رسمية، لكن من الطبيعي أن تطرح هذه الخطوة تساؤلات حول طبيعة الخلافات التي كانت قائمة، وما إذا كانت هناك تدخلات أو ضغوط سياسية أثرت في عمل المصرف أو في قراراته.

وأكد في رده على تساؤلات “عربي21”: “الحديث عن وجود علاقة بين الاستقالة وميزانية المخابرات العامة، يحتاج إلى معلومات دقيقة ووثائق، ولا ينبغي أن نبني حكماً على مجرد تداول أخبار أو تكهنات. لكن إذا كانت هناك بالفعل خلافات حول أوجه الإنفاق العام أو اعتماد بنود مالية معينة، فمن حق الرأي العام أن يعرف طبيعة هذه الخلافات، لأن المال العام لا ينبغي أن يكون موضوعاً مغلقاً أمام المؤسسات الرقابية والرأي العام”، حسب رأيه.

وأوضح المسؤول الليبي أن “السؤال الأهم الآن هو: هل أصبح مصرف ليبيا المركزي قادراً على ممارسة دوره باستقلالية بعيداً عن التجاذبات السياسية، فقد أثبتت التجربة الليبية أن تسييس المؤسسات السيادية وإخضاعها لضغوط الأطراف السياسية المتصارعة يؤدي في النهاية إلى إضعاف الدولة وإرباك الاقتصاد. ومصرف ليبيا المركزي تحديداً يحتاج إلى الاستقرار والاستقلال والوضوح في اتخاذ القرار، لأن أي اهتزاز في الثقة به يمكن أن ينعكس على سعر الصرف والسيولة والإنفاق العام والاحتياطيات والعلاقة مع المؤسسات المالية الدولية.

اقرأ أيضا: كيلو الليمون يصل إلى 130 قرشاً .. أسعار الخضار محلياً

وختم حديثه لنا بالقول: “المطلوب الآن هو كشف الحقائق للرأي العام، وليس الاكتفاء بالحديث عن “أسباب حساسة” أو ما يدور في الكواليس. فإذا كانت هناك ضغوط سياسية أو خلافات حول الإنفاق العام أو تجاوزات في الصلاحيات، فينبغي أن تكون هناك مؤسسات رقابية وقضائية قادرة على التحقيق فيها”، كما طالب.

“قراءة اقتصادية متخصصة”
وفي محاولة لتقديم قراءة متخصصة للخطوة وكشف بعض الكواليس والتفاصيل تحدث “عربي21” مع الصحفي الاستقصائي الليبي المتخصص في الاقتصاد، محمد القرج، بصفته من المتابعين لأزمة المصرف المركزي منذ بدايتها، والذي أكد أن “استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي في هذا التوقيت لها دلالة كبيرة، لأنها تأتي في ظرف اقتصادي شديد الحساسية، ومعها رسالة واضحة بأن هناك أزمة أعمق داخل إدارة السياسة النقدية والعلاقة مع بقية مؤسسات الدولة، أما الحديث عن «أسباب حساسة»، فأعتقد أنه يشير إلى خلافات وضغوط مرتبطة بإدارة الملف المالي والنقدي والشفافية أكثر من كونه مرتبطا بملف أمني بعينه.

وحول ما تردد عن علاقة الاستقالة بقرار تغيير رئيس المخابرات العامة في ليبيا، قال القرج لـ”عربي21″: “في تقديري، لا توجد علاقة مباشرة بين الاستقالة وملف المخابرات العامة، هذا الملف ما يزال له شق قضائي وسياسي ومداولات أمام المحاكم، ولا أرى أن المصرف المركزي كان تحت ضغط حقيقي بسببه يفسر قرار الاستقالة.

اظهار أخبار متعلقة


“نشر بيانات خطيرة في سبتمبر”
وحول كواليس الاستقالة وما سبقها من خطوات، أكد الصحفي الليبي المطلع على ملف المصرف المركزي منذ سنوات أن “المصرف خلال الفترة الماضية استخدم في أحيان كثيرة سياسة إعلامية ودفاعية بدلاً من تقديم سياسة نقدية واضحة وشفافة، وكانت هناك محاولات من أطراف على صلة بالمصرف لإزالة منشورات ومقالات تنتقد أداءه، بل وإغلاق حسابات لصحفيين واقتصاديين انتقدوا غياب البيانات وغياب الشفافية.

وأضاف: “الضغط الحقيقي كان يتجه نحو كشف البيانات التي ظل المصرف يحجبها أو يتأخر في نشرها، خصوصاً بيانات الإيرادات والإنفاق واستخدامات النقد الأجنبي والجهات المستفيدة منه، وقبل الاستقالة بفترة قصيرة أعلن المحافظ أن هذه البيانات ستُنشر في سبتمبر المقبل، ثم جاءت الاستقالة بعد ذلك مباشرة. لذلك أعتقد أن هذه النقطة مهمة جداً لفهم الكواليس: هناك ضغط متزايد لإجبار المصرف على كشف الصورة المالية الحقيقية، بينما كان المصرف يحاول إدارة الأزمة إعلامياً أكثر من معالجتها نقديا”، وفق معلوماته.

“ضغوط سياسية وخروج آمن”
طرحنا سؤالا حول الضغوط السياسية التي يمكن أن يكون تعرض لها المحافظ، وأوضح القرج أنه “من الطبيعي أن يكون منصب المحافظ عرضة لضغوط من أطراف سياسية وتنفيذية مختلفة، خصوصاً في دولة تعاني انقساماً مؤسسياً وإنفاقاً عاماً مرتفعاً وتنافساً على الموارد. لكن لا أعتقد أن القضية يمكن اختزالها في ضغوط من سياسي أو جهة واحدة، بل هي أزمة أوسع بين السياسة النقدية والسياسة المالية وإدارة الإنفاق العام.

وتابع: أما اقتصاديا، فالاستقالة خطيرة لأنها تضرب الثقة في أهم مؤسسة مالية في البلاد. وإذا لم تتم إدارة الانتقال بسرعة ووضوح، فقد نشهد زيادة في الطلب على النقد الأجنبي، مزيداً من الضغط على سعر الصرف، توسعاً في المضاربة، وارتفاعاً إضافياً في الأسعار.

وختم الصحفي الاقتصادي الاستقصائي حديثه لـ”عربي21″ بالقول: “السؤال الأهم الآن ليس فقط لماذا استقال المحافظ؟، بل: ما الذي كان سيظهر في البيانات التي وعد بنشرها ناجي عيسى؟ وهل كانت الاستقالة محاولة للخروج الآمن قبل لحظة كشف الصورة المالية كاملة؟”، بحسب تساؤلاته وتصريحاته.

اقرأ أيضا: حسان يعمم بحصر ملف احتفالية معمودية السيد المسيح باللجنة الوطنية

‫0 تعليق