في وقت تتشابك فيه الأزمات بالقرن الأفريقي، يواجه
أكثر من ستة ملايين شخص في الصومال خطر المجاعة وشح المياه، وسط موجة جفاف تضرب
البلاد وتراجع كبير في المساعدات الدولية.
اقرأ أيضا: عواصف تودي بحياة شخصين وتقطع الكهرباء عن مئات الآلاف بأمريكا
وتتفاقم أزمة الجوع بعدما تسبب تكرار مواسم لم تهطل
فيها الأمطار بغزارة في تدمير محاصيل ونفوق آلاف رؤوس المواشي، واستنزاف إمدادات
المياه، فيما أعلنت الحكومة الصومالية والأمم المتحدة أن حوالي 6.5 مليون شخص في
البلاد يواجهون جوعا حادا بسبب الجفاف.
وقد حذرت منظمات دولية من خطر استمرار اتساع خريطة
الجوع في هذا البلد الأفريقي، مؤكدة تزايد أعداد المتضررين من نقص الغذاء الحاد.
ولا تقتصر هذه الأزمة على منطقة جغرافية بعينها، بل
تمتد لتشمل ملايين الصوماليين في مختلف مناطق البلاد، ممن وجدوا أنفسهم محاصرين
بين تداعيات اقتصادية قاسية وظروف بيئية متدهورة.
اظهار أخبار متعلقة
وبينما تتأرجح البلاد على شفا كارثة إنسانية تعيد
إلى الأذهان مأساة عام 2011، تسجل وكالات الإغاثة الدولية تراجعا حادا وغير مسبوق
في التمويلات الدولية تجاوزت نسبته 80%.
وفي خضم هذا الوضع باتت منظمة الأمم المتحدة تعول
على أدوات الذكاء الاصطناعي، لإيصال المساعدات الشحيحة إلى أكثر المناطق عزلة.
مؤشرات اتساع نطاق الجوع
أظهر مسح أجرته منظمة أطباء بلا حدود قبل نحو شهر،
شمل 888 أسرة في 14 موقعا للنازحين في البلاد، أن واحدا من كل أربعة أطفال يعاني
من سوء تغذية شديد، بينما قالت ثلث الأسر إنها تعيش على وجبة واحدة في اليوم، ولا
يستطيع سوى اثنين بالمئة فقط تحمل تكاليف ثلاث وجبات.

وتسببت موجة الجفاف التي تضرب البلاد واتساع نطاق
التصحر بتراجع حاد في إنتاجية المحاصيل الأساسية، فيما قالت منظمة أطباء بلا حدود
إن التمويل المخصص لمكافحة سوء التغذية الحاد في الصومال انخفض بأكثر من 80 بالمئة
هذا العام رغم أن واحدا من كل أربعة أطفال خضعوا للفحص في مخيمات النازحين في جنوب
غرب البلاد يعاني من سوء تغذية شديد.
وقال ميتشل سانجما مستشار الشؤون الصحية في المنظمة
إن الولايات المتحدة خفضت دعمها لوكالات الإغاثة في البلاد من 70 مليون دولار
العام الماضي إلى صفر هذا العام، مما ترك منظمات الإغاثة تكافح من أجل الاستجابة
مع تزايد الاحتياجات، كما خفضت جهات مانحة غربية أخرى تمويلها أيضا.
نزوح أكثر من نصف مليون
وأمام اتساع نطاق التصحر وتراجع المحاصيل الزراعية
وثقت الأمم المتحدة نزوح أكثر من نصف مليون شخص داخل الصومال خلال الأشهر الماضية.
وكان الجفاف المحرك الأساسي لمعظم حالات النزوح هذه،
وشكلت النساء والأطفال نحو 85% من إجمالي النازحين.
ويتزامن ذلك مع إدراج برنامج الأغذية العالمي ومنظمة
(الفاو) للصومال ضمن قائمة “بؤر الجوع الساخنة” إلى جانب دول أخرى مثل
السودان واليمن.
وفاقمت الحرب في الشرق الأوسط من أزمة الجوع في
الصومال، حيث تسبب الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة والغذاء عالميا في ارتفاع
تكاليف المعيشة وزاد من حدة الازمة.
وحذر برنامج الأغذية العالمي من أن الأزمة المستمرة
في الشرق الأوسط تؤثر على قدرة الناس في الصومال على تحمل تكاليف الغذاء، حيث أدت
الأزمة إلى ارتفاع أسعار الوقود والغذاء، وتعطيل سلاسل التوريد، وتراجع الدخل.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح البرنامج أن ما يصل إلى 2.5 مليون شخص في
الصومال قد يصبحون غير قادرين على تحمل تكاليف سلة الغذاء الأساسية هذا العام،
بينما قد تواجه نحو 60% من الأسر صعوبات في تلبية احتياجاتها الأساسية.
وحذر البرنامج من أن الأزمة لا تقتصر آثارها على
تفاقم الأوضاع المعيشية لأولئك الذين يعانون الجوع بالفعل فحسب، وإنما تعمل أيضا
على خلق بؤر جديدة من الهشاشة والضعف، إذ تواجه الأسر الفقيرة في المناطق الحضرية
والمجتمعات الريفية المهمشة صعوبات متزايدة، في ظل تآكل قوتها الشرائية نتيجة
لارتفاع الأسعار وتراجع مستويات الدخل.
الذكاء الاصطناعي لمواجهة المجاعة
وفي ظل شح التمويل واتساع رقعة المحتاجين، قال
برنامج الأغذية العالمي إنه بات عاجزا عن الوصول لجميع الصوماليين الستة ملايين
الذين يواجهون الجوع، إذ لا يستطيع مساعدة سوى شخص واحد من بين كل عشرة محتاجين.

ولتعويض هذا النقص وتوجيه الموارد المحدودة بكفاءة،
أعلن البرنامج أنه لجأ إلى الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي عبر النسخة
المحدثة من منصة تتبع الجوع “HungerMap Live”، والتي قال إنها تقوم بتحليل بيانات المناخ والاقتصاد والزراعة
ومخاطر الفيضانات والنزاعات لتحديد المناطق التي تتجه نحو انعدام الأمن الغذائي،
ما يتيح للبرنامج حشد الموارد استباقيا قبل تفاقم الأزمات.
اقرأ أيضا: إدارية النواب تنهي مناقشات قانون الإدارة المحلية الخميس
ووفق تقرير نشرته الأمم المتحدة عبر موقعها
الالكتروني أثبتت هذه التقنية فعاليتها الميدانية في مناطق نائية مثل مقاطعة
“بورهاكابا”، التي تعج مراكزها الطبية بحالات سوء التغذية الحاد.
ووفق التقرير فإنه “من خلال البيانات التنبؤية
للمنصة، تمكن العاملون في المجال الإنساني من تقييم الاحتياجات العاجلة وتوجيه
مساعدات غذائية لنحو 48 ألف شخص، بالإضافة إلى دعم تغذوي متخصص لثلاثة آلاف امرأة
وطفل”.
اظهار أخبار متعلقة
وقال سايمون رينك، رئيس قسم تحليل ورسم خرائط مواطن
الضعف في البرنامج بالصومال، إن الهدف المباشر تقليص الفجوة الزمنية بين الإنذار
المبكر والتحرك الفعلي لحماية الأفراد.
ويعد الصومال أحد أكثر الدول معاناة من المجاعة في
العالم، بسبب وجوده في مجال مناخي جاف يتميز بتناقص حاد في معدل الأمطار السنوية
لسنوات متتالية، ما يؤثر على الأنهار والآبار فيجعلها تجف، إضافة إلى نفوق الماشية
التي تعتمد عليها نسبة مهمة من السكان.
وعانى الصومال لنحو قرن كامل من مجاعات قاسية قتلت
وشردت ملايين الأشخاص، من أشهرها مجاعات 1964 و1992 و2011.
وتسببت المجاعة التي عرفتها الصومال سنة 2011 بوفاة
260 ألف صومالي، وهو ما تحذر الهيئات الدولية من تكرار حدوثه نتيجة نقص التمويل
اللازم لإغاثة الصومال.
ويعتمد غالبية سكان الصومال على الزراعة وتربية
المواشي حيث يحتل المرتبة الأولى عالميا من حيث عدد المواشي بنحو 56 مليون رأس من
الإبل والغنم والبقر.
ويقدر عدد سكان جمهورية الصومال استنادا إلى
معطيات عام 2025 بأكثر 19 مليون نسمة، ويعاني السكان من تحديات كبيرة، تشمل ارتفاع
معدلات الفقر والأمية والبطالة والنزوح الداخلي، فضلا عن تداعيات الحروب الأهلية
والكوارث المناخية.
ينقسم الصوماليون من حيث نمط العيش إلى ثلاث فئات
سكانية: الرعاة الرحل الذين يعتمدون على تربية الإبل والماشية ويتنقلون باستمرار
بحثا عن الماء والكلأ، المزارعون المستقرون ويستوطنون المناطق الجنوبية الخصبة،
السكان الحضريون الذين يقيمون في المدن الكبرى مثل مقديشيو وهرجيسا، حيث تتركز
الأنشطة الاقتصادية الحديثة والخدمات الحكومية.

