ابن خلدون وأسئلة الحوكمة المعاصرة: من يحاور تراثنا؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

قبل أربعة عشر عاماً، كتبت دراسة عن تفسير التاريخ عند
ابن خلدون (1332-1406)، مؤسس علم العمران وصاحب “المقدمة”، التي تعد من
أبرز النصوص في تفسير قيام الدول وسقوطها. يومها قرأته بعين المؤرخ، أما اليوم
فأعود إليه بعين مختلفة؛ لا لأبحث عن أجوبة جاهزة، بل لأطرح سؤالاً جديداً: ماذا
يستطيع التاريخ أن يفعل في حياتنا السياسية؟

اقرأ أيضا: مسؤول نقلاً عن البنتاغون:العمليات الأميركية قتلت 153 مدنياً عام 2025 | عرب وعالم

اعتدنا أن ننظر إلى التاريخ بوصفه سجلاً للماضي، لا
شريكاً في صناعة المستقبل. غير أن المشكلة ليست في التاريخ، بل في الطريقة التي
نقرأه بها؛ فنحن نقرأ تراثنا غالباً لنعرف ماذا قال أصحابه، ونادراً ما نقرأه
لنسأل: ماذا يستطيع أن يقول لنا اليوم؟ وبين القراءتين فرق يصنع الفارق بين أمة
تحفظ تراثها، وأخرى تحاوره.

فالأمم لا تتقدم بما تملك من نصوص كبرى، بل بقدرتها
على تحويل تلك النصوص إلى أسئلة جديدة. أما النص الذي يتوقف عن إنتاج الأسئلة،
فيتحول مع الزمن إلى وثيقة، مهما بلغت مكانته في التاريخ. وكلما واجهنا سؤالاً
يتعلق بالدولة أو الإدارة أو الحكم، اتجهت أنظارنا إلى أحدث ما أنتجه الفكر السياسي
المعاصر، وهو أمر لا غنى عنه. لكن السؤال الذي لا نطرحه بما يكفي هو: لماذا خرج
تراثنا من هذا الحوار؟ ليس لأنه عاجز عن الإسهام، بل لأننا توقفنا عن مساءلته.
فالتراث لا يفقد قيمته عندما يشيخ، وإنما عندما يتحول إلى مادة للحفظ أو التقديس
أو الرفض؛ أما حين يصبح موضوعاً للحوار، فإنه يستعيد قدرته على إنتاج المعرفة، حتى
لو اختلفت أسئلة العصر عن أسئلة أصحابه.

قبل ابن خلدون بنحو قرنين، كتب ابن ظفر الصقلي (1104-1170)،
أحد أوائل منظري الفكر السياسي في الحضارة الإسلامية، كتابه “سلوان المطاع في
عدوان الأتباع”، وانشغل بسؤال عملي: كيف تدار الدولة في أوقات الأزمات؟ وكيف
يحافظ الحاكم على تماسكها وسط الصراعات؟ أما ابن خلدون فنقل السؤال إلى مستوى آخر؛
فلم يعد السؤال فقط: كيف يحكم الحاكم؟ بل: لماذا تقوم الدول أصلاً؟ ولماذا تنهار؟
وكيف تتشكل العلاقة بين السلطة والمجتمع والعمران؟ وهكذا تحول التاريخ عنده من
رواية للأحداث إلى محاولة لاكتشاف القوانين التي تحكم الاجتماع الإنساني، فأصبح
الماضي مختبراً لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

ومن هنا يمكن أن نحاور ابن خلدون من داخل أسئلة
الحوكمة المعاصرة؛ لا باعتباره منظّراً لمفهوم لم يكن موجوداً بصيغته الراهنة، ولا
بالبحث في “المقدمة” عن حلول جاهزة لمشكلات الدولة الحديثة، وإنما
باستعادة منهجه في السؤال: كيف تتشكل السلطة داخل المجتمع؟ ما الذي يمنح الدولة
قدرتها على الاستمرار؟ ومتى تتحول عوامل القوة إلى مقدمات للضعف والانهيار؟ وهي
أسئلة تتقاطع، رغم اختلاف السياقات والمفاهيم، مع قضايا تشغل الحوكمة اليوم؛ من
فاعلية المؤسسات وعلاقة الدولة بالمجتمع إلى كفاءة الإدارة وحدود السلطة.

غير أن هذا التصور للتاريخ لم يبق دون مساءلة؛ فقد رأى
هايدن وايت (1928-2018)، المؤرخ وفيلسوف التاريخ الأمريكي، أن التاريخ ليس نقلاً
محايداً للوقائع، بل بناء للسرد والمعنى. ولا يهدم هذا الطرح مشروع ابن خلدون، بل
يوسع أفق الحوار معه؛ إذ يذكرنا بأن كتابة التاريخ ليست نقلاً للوقائع فحسب، بل
فعل من أفعال التأويل. وبين الموقفين تبدأ مساحة التفكير، لا مساحة اليقين.

ولم يتوقف الحوار مع التراث عند ابن خلدون؛ فقد دعا
محمد أركون (1928-2010) إلى تحرير التراث من القراءة المغلقة وإخضاعه للنقد
التاريخي والعلوم الإنسانية، وسعى محمد عابد الجابري (1935-2010) إلى إعادة قراءة
البنية المعرفية التي أنتجت العقل العربي، فيما وسّع جورج طرابيشي (1939-2016) هذا
الحوار بنقده للجابري، مؤكداً أن أي قراءة للتراث تفقد قيمتها إذا أعفت نفسها من
النقد. ولعل أهمية هذا السجال لا تكمن في تحديد من كان أكثر صواباً، بل في أنه
أبقى التراث حياً؛ فالنصوص لا تعيش بالإجماع حولها، وإنما باستمرار الاختلاف معها،
والمعرفة لا تتقدم حين تتوقف الأسئلة، بل حين يتجدد الحوار حولها.

لكن السؤال الذي بقي معلقاً هو: هل نجحنا في تحويل هذا
الحوار إلى معرفة تسهم في تطوير الدولة والإدارة والحوكمة، أم بقي حبيس النخبة
الأكاديمية؟

هنا يبرز مالك بن نبي (1905-1973)، الذي نقل النقاش من
سؤال التراث إلى سؤال الحضارة. فلم يكن يرى أزمة العالم الإسلامي في نقص الأفكار
وحده، بل في العجز عن تحويلها إلى مشروع حضاري يبني الإنسان والمؤسسة معاً.
فالفكرة لا تغير التاريخ لمجرد ولادتها، وإنما حين تجد المؤسسة التي تختبرها
وتطورها وتحولها إلى تعليم وبحث علمي وتشريع وثقافة عامة.

اقرأ أيضا: المحامي العام بدمشق: محاكمة قيادات النظام المخلوع تستند لأدلة موثقة وقواعد القانون الدولي | أخبار

وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى ابن خلدون. فالرجل لم يكتب
ليضيف كتاباً إلى المكتبة، بل ليبحث عن القوانين التي تحكم قيام الدول وسقوطها.
لكننا اكتفينا، في كثير من الأحيان، بشرح نصه أكثر مما حاولنا تطوير أسئلته وربطها
بتحديات الدولة الحديثة. وربما لا تكمن أزمتنا في قلة الإنتاج الفكري بقدر ما تكمن
في غياب الحلقة التي تصل بين الفكرة والمؤسسة؛ فالمعرفة التي لا تتحول إلى تعليم
وبحث علمي وسياسات عامة تبقى معرفة معطلة، مهما بلغت قيمتها.

لا يدعو هذا المقال إلى استبدال النظريات الحديثة
بتراثنا، ولا إلى البحث في كتب القدماء عن حلول جاهزة لمشكلات الدولة المعاصرة، بل
إلى إعادة الاعتبار لمنهج الحوار نفسه. فالحضارات لا تتقدم لأنها تحفظ تراثها أو
تقدسه، وإنما لأنها تحاوره وتحوله إلى معرفة جديدة، ثم إلى مؤسسات وسياسات عامة.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم لم يعد: ماذا
قال ابن خلدون؟ بل: كيف نواصل ما بدأه؟ وكيف نحول تراثنا من ذاكرة للماضي إلى شريك
في إنتاج المستقبل؟ فالحضارات لا
تقاس بعدد المفكرين الذين أنجبتهم، بل بقدرتها على أن تجعل من كل مفكر بداية
لمشروع جديد، لا نهاية لحوار.

وربما لم تكن أزمتنا يوماً في غياب ابن خلدون، بل في
غياب المؤسسة التي كان يمكن أن تُنجب بعده ألف ابن خلدون.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: الصفدي ورئيسة الصليب الأحمر يبحثان تعزيز التعاون والتحضير لمؤتمر الإنسانية

‫0 تعليق