هل كانت شركة قناة السويس ستعود لمصر بعد انتهاء فترة الامتياز «99 عاما» فى 17 نوفمبر 1968؟، هناك من يعتقد بأنها كانت ستعود، وبالتالى فإن قرار جمال عبدالناصر بتأميمها يوم 26 يوليو 1956 كان خاطئا، لأنه أدى إلى العدوان الثلاثى يوم 29 أكتوبر 1956.
اقرأ أيضا: زلزال قوي يضرب كولومبيا.. مقتل العشرات وانهيار مئات المباني
ويجهل هؤلاء، أو يتجاهلون – لغرض خبيث – أن الوثائق التى أفرجت عنها الحكومة البريطانية وأذاعتها «بى. بى. سى» عربى يوم 6 أبريل 2023، أكدت أن بريطانيا وفرنسا خططتا للتحكم فى الممر الملاحى بعد انتهاء مدة الامتياز، وذلك عن طريق تحالف لشركات الشحن الغربية، وإنشاء هيئة يتمتع فيها الأجانب بنفوذ هائل لإدارة القناة، ويضم هذا التحالف القوى البحرية الأساسية المعنية بالقناة وهى، بريطانيا، أمريكا، فرنسا، هولندا، إيطاليا، النرويج، وتؤكد الوثائق أن الحكومة البريطانية ناقشت هذا الأمر فى مارس 1954 ضمن خيارات أخرى بدأت مناقشتها منذ فبراير 1952، وتصمم كلها على عدم عودة القناة كاملة إلى المصريين.
غير أنه وللتاريخ كان الدكتور مصطفى الحفناوى أول من كشف هذه المخططات، ويشرحها فى الجزء الثالث من مؤلفه الموسوعى «قناة السويس ومشكلاتها المعاصرة»، و«الحفناوى» من أقطاب الحزب الوطنى فى ثلاثينيات القرن الماضى، وحسب قوله فى الجزء الأول من مؤلفه: «كنت دائما فى صفوف المعارضين للوفد وسياساته، واعتقلنى مصطفى النحاس باشا سبع مرات فى 1936 و1937، وأنا طالب فى الحقوق».
وعن قصته مع قناة السويس، يقول إنه أثناء سفره إلى لندن فى صيف 1946، صادف إنجليزى استعمارى يتصدر المائدة على الباخرة صباحا، ويقص على المسافرين أمورا عن قناة السويس بلغة جارحة لمصر وللمصريين، يتذكر: «كنت المصرى الوحيد، فقلت للرجل إن امتياز الشركة سينتهى فى 1968، وتسترد مصر قناتها، وهنا ثار المجرم، وكاد يضربنى، وشاركه فى هياجه الأجانب الذين ينصتون لحديثه، وانسحبت من المائدة معتصما بالكابين باكيا من فرط الإهانة».
يضيف الحفناوى، أنه فى لندن، طلب من أحد مرافقيه أن يصحبه إلى أكسفورد ليشترى كتابا عن قناة السويس، فصحبه إلى دار المحفوظات التاريخية، وهى غاصة بمحفوظات قديمة عن قناة السويس، ويؤكد: «فور أن تصفحت أول ملف قررت الالتحاق بجامعة أوروبية لدراسة القانون الدولى دراسة متخصصة، وإعداد رسالة علمية عن القناة».
ذهب الحفناوى إلى باريس عام 1950 لإعداد رسالته العلمية عن القناة، ويكشف: «كنت مستشارا صحفيا بسفارة مصر فى فرنسا، وعينت فى هذه الوظيفة خصيصا لغرض واحد، كان يعرفه سرا رجل واحد عاوننى هو الدكتور محمد صلاح الدين وزير الخارجية، الذى دبر معى هذه الحيلة وأنا مشغول بإعداد رسالتى، لأتمكن تحت ستار دبلوماسى من الاتصال بشركة «قناة السويس» كى أنقب فى ملفاتها، وفعلا نجح التدبير، وفتح لى «شارل رو» رئيس الشركة بنفسه محفوظات الشركة فى باريس، متوهما أننى أعد كتابا عن القناة لمصلحة شركته الاستعمارية، وكشف لى عن أوراقه، وأوقفنى على فكرة التدويل، وطلب قيام لجنة دولية تابعة للأمم المتحدة على غرار «لجنة الدانوب» تحل محل الشركة قبل انتهاء أجل الامتياز».
اقرأ أيضا: سوريا.. السلطات تعلن عودة الهدوء في عين العرب وسط تحذيرات من الفتنة | أخبار
يذكر «الحفناوى»، أنه توجه إلى السفارة بتقرير عما دار بينه وبين «شارل رو» عنوانه «مؤامرة لتدويل القناة»، وطلب إرساله بالشفرة إلى رئيس الحكومة، ويستشهد برجلين من رجال السفارة ما زالا أحياء «توفيا» هما، على شوقى، ويحيى حقى، ويكشف: «استجوبانى، وقالا إن تقريرى سيسبب صداعا للسفارة، وقد يسىء للعلاقات بين مصر وفرنسا»، ويؤكد: «أرسلت التقرير، ونام فى ملفات الإهمال بوزارة الخارجية».
حصل «الحفناوى» على الدكتوراه من جامعة باريس يوم 5 يونيو 1951 بتقدير جيد جدا، وعاد إلى مصر ليبدأ نضالا فرديا، فأصدر جريدة «قناة السويس»، واتصل بعمال الشركة وترافع فى قضاياهم ضدها، ورفض كل الإغراءات، ولم يخضع للتهديدات والمطاردات والتشهير فى عمله كمحامٍ لشركات دولية، ولهذا يقول: «أعتقد أن الرئيس البطل جمال عبدالناصر انتشل سمعتى لأولادى بالتأميم».
كانت رسالته العلمية من الأسلحة الثقيلة فى قصة التأميم بالإضافة لمشاركته فى صياغة القرار، ويتذكر: «لن أنسى قط استدعاء عبدالناصر لى فى مساء 23 يوليو 1956، وكنت فى صميم الريف منصرفا للزراعة ليفضى إلىّ بنبأ قراره التاريخى»، ويضيف أنه بعد نحو أسبوعين من قرار التأميم الذى هز العالم، كشفت مجلة «جوردى فرانس» دوره، حيث صدرت فى 11 أغسطس، مثل هذا اليوم، 1956، وبها مقال طويل عن أزمة فرنسا فى السويس والجزائر، وفى فقرات منه ذكر الكاتب: «محامٍ مصرى شاب هبط على باريس سنة 1950 ليظفر بالدكتوراه فى القانون الدولى، وجعل قناة السويس موضوعا لرسالته، ونال درجته العلمية بتفوق ملفت للنظر، والمصيبة أنه عاد إلى بلاده مزودا بحقيبة طافحة بمستندات حصل عليها من ملفات «قناة السويس» فى باريس، وأخطأت الشركة إذ فتحت له أبوابها، ومكنته من تلك الملفات»، وتضيف المجلة: «عاد إلى بلاده وطبع المجلدات الضخمة الثلاثة التى أوقدت نارا متأججة بما نشرته عن الأخطاء الإدارية والقانونية المثيرة فى إدارة القناة».
اقرأ أيضا: أبها الماضي الجميل الذي يستحق أن يروى
