لا شيء جامدا أو ثابتا في عالم السياسة، ما لا يمكن تخيله اليوم، قد يحدث غدا، والخصم قد يصبح محايدا، وربما صديقا. القاعدة الأساسية في كل ذلك هي المصالح، ثم المصالح، ثم المصالح.
هذه القاعدة تنطبق إلى حد كبير على العلاقات المصرية مع ليبيا، خصوصا حكومة عبد الحميد الدبيبة.
اقرأ أيضا: هل الذكاء الاجتماعي أهم من النجاح
قبل أيام سألت مسؤولا مصريا عن حقيقة التقدم في العلاقات بين القاهرة وطرابلس، فقال بوضوح: “علاقتنا تتطور وتتحسن مع طرابلس على قاعدة مصالح الشعبين المصري والليبي، والرغبة في حل سياسي للأزمة الليبية يحافظ على وحدة ليبيا ووحدة مؤسساتها وبناء مؤسسة عسكرية موحدة”.
وليس مستبعدا أن يقوم وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي بزيارة طرابلس قريبا، وليس مستبعدا كذلك أن يتم إعادة افتتاح السفارة المصرية هناك رسميا قريبا، خصوصا أن العمل بها لم يتوقف، بل إن القسم القنصلي بالسفارة استأنف العمل بصورة تجريبية في منطقة بن عاشور في طرابلس في 12 يوليو/تموز الماضي، بعد توقف استمر عدة سنوات.. وربما تصاحب هذه الزيارة الإعلان عن تعاون اقتصادي كبير بين الجانبين.
كان واضحا أن لقاء السيسي والدبيبة كشف عن أن العلاقات بين الطرفين تطورت إلى مراحل مهمة، فعلى المستوى السياسي تم الحديث عن ضرورة دعم الاستقرار، ودفع العملية السياسية والحفاظ على وحدة ليبيا، ودعم مؤسسات الدولة وإنهاء المرحلة الانتقالية
نعلم أن مصر سحبت سفيرها محمد أبو بكر من طرابلس في يناير/كانون الثاني 2014، ومعه عشرات العاملين بالسفارة بعد اختطاف عدد من الدبلوماسيين المصريين وتدهور الوضع الأمني.
وما بين هذا التاريخ والفترة الحالية جرت في نهر العلاقات مياه كثيرة، فقد عاد السفير محمد ثروت سليم رئيسا للبعثة المصرية في طرابلس عام 2021، وبالتالي فالمتوقع في الأيام المقبلة أن يتم افتتاح السفارة بكامل عملها وبصورة رسمية.
تحسن العلاقات بين القاهرة وطرابلس تم عبر خطوات هادئة ومحسوبة، بعد أن أدرك الطرفان أن القطيعة مضرة بهما، ويستغلها أعداء البلدين بصورة سيئة وما أكثرهم.
يحسب للجانب الليبي أنه بادر أكثر من مرة للتقارب مع القاهرة بعد أن أدرك أنه ليس من مصلحة البلدين استمرار القطيعة، ويمكن تلمس ذلك من مظاهر كثيرة من أول تصريحات السفير عبد المطلب ثابت المكلف بتسيير أعمال السفارة الليبية في القاهرة، ووصفه استئناف الخدمات القنصلية بأنه محطة مهمة في علاقات البلدين وربطه بزيادة التعاون والتنسيق، نهاية بزيارة عبد الحميد الدبيبة مدينة العلمين الساحلية واجتماعه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 30 يوليو/تموز الماضي، وهو تطور مهم نقل علاقات الطرفين من التواصل الأمني إلى أعلى مستوى سياسي، خصوصا أن هذا الاجتماع حضره كبار المسؤولين المصريين، ومنهم مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، وبدر عبد العاطي وزير الخارجية، واللواء حسن رشاد رئيس المخابرات العامة، ولم تكن أيضا مجرد زيارة بروتوكولية، خصوصا بعد الزيارات المهمة التي قام بها اللواء رشاد لكل من طرابلس وبنغازي واجتماعه مع الدبيبة وصدام حفتر.
كان واضحا أن لقاء السيسي والدبيبة كشف عن أن العلاقات بين الطرفين تطورت إلى مراحل مهمة، فعلى المستوى السياسي تم الحديث عن ضرورة دعم الاستقرار، ودفع العملية السياسية والحفاظ على وحدة ليبيا، ودعم مؤسسات الدولة وإنهاء المرحلة الانتقالية، أما اقتصاديا فقد تم الاتفاق على التعاون في العديد من المجالات خصوصا البنية التحتية والطاقة والنفط والغاز ومشروعات الربط الكهربائي، وتطوير القدرات المؤسسية، وعلى المستوى الأمني، تم الاتفاق على تعزيز التعاون في هذا المجال والتدريب وبناء القدرات.
نتيجة هذا الاجتماع المهم تشير إلى أن الطرفين انتقلا من مرحلة القطيعة السياسية إلى التعاون ثم التنسيق في مجالات عديدة، بعد أن اكتشفا أنهما يخسران من القطيعة.
هل يعني هذا التطور في العلاقات بين القاهرة وطرابلس، بصورة آلية تدهور العلاقات بين القاهرة وحكومة بنغازي؟
وجهة نظر القاهرة أيضا هي أن الانتخابات يجب أن تكون نتيجة لتوافق وطني، وبالتالي فهي تتحفظ على استمرار انقسام الحكومتين وانتشار السلاح، وغياب دستور متفق عليه بين الجميع، ولذلك فهي تدعو إلى توافق سياسي وأمني أولا
الإجابة هي لا بالقطع، فالعلاقات مع الشرق جيدة إلى حد كبير، والتنسيق بينهما مستمر منذ سنوات. قد تكون العلاقات تعرضت لبعض الاضطراب؛ بسبب تقارير تتحدث عن دعم قوات شرق ليبيا لمليشيا الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو “حميدتي” في السودان، وكذلك تقارير عن معسكرات تدريب، وإمداد في جنوب ليبيا لصالح “حميدتي”، لكن يبدو أن القاهرة تلقت طمأنات من صدام حفتر الرجل الذي صار قويا في شرق ليبيا بتسوية هذا الملف بصورة لا تضر الأمن القومي المصري.
ولا يمكن إغفال أن ما ساعد على تحسن العلاقات بين القاهرة وطرابلس، هو تحسن العلاقات المصرية مع تركيا صاحبة النفوذ الأكبر في طرابلس.
وبالتزامن مع هذا التطور حدث تقارب كبير بين تركيا وحكومة الشرق في بنغازي ورأينا ليس فقط تبادل زيارات بين الجانبين، بل الحديث عن تدريب عسكري ومشروعات اقتصادية مختلفة.
السؤال الذي يتبادر إلى ذهن كثيرين هو: ومتى تعود علاقات القاهرة وطرابلس إلى المستوى الطبيعي تماما؟
الإجابة ببساطة أن العقبة الرئيسية ليست في القاهرة، بل أساسا في الانقسام الليبي الداخلي المستمر منذ سقوط نظام معمر القذافي في نهاية 2011، وبالتالي فأغلب الظن أن القاهرة تفضل العودة التدريجية والهادئة للعلاقات مع طرابلس، مع استمرار العلاقات الطيبة مع حكومة شرق ليبيا، ودعم مسار توحيد المؤسسات، خصوصا الجيش، وتجنب الاعتراف بانقسام دائم للسلطة نظرا لما يمثله ذلك من خطر على الأمن القومي المصري، وربما يفسر لنا هذا المنظور، لماذا بادرت القاهرة إلى تنشيط القسم القنصلي في السفارة قبل الوصول إلى تحول سياسي كبير.
وبالطبع لا يمكن الحديث عن العلاقات المصرية مع ليبيا سواء مع الدبيبة أو حفتر، من دون العامل الدولي والإٍقليمي، خصوصا التركي والأمريكي.
قد لا يكون هذا العامل في صلب موضوعنا اليوم، وهو العلاقات المصرية الليبية، ولكنه عامل شديد الأهمية.
وفي عجالة سريعة، فإن الانقسام الليبي موجود منذ نهاية عام 2011، ووصل إلى الحرب الأهلية في أكثر من محطة، خصوصا عام 2019، ثم مر بمحطات كثيرة حتى وصلنا الآن إلى مرحلة من الهدوء الحذر، وصار المطروح بقوة الآن هو الخطة الأمريكية التي يقودها مسعد بولس مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وتتضمن دمج حكومتي طرابلس وبنغازي بقيادة عبد الحميد الدبيبة، وإنشاء مجلس رئاسي جديد بقيادة صدام حفتر.
القاهرة أكثر ميلا لتأييد خريطة الطريق التي اتفق عليها الرؤساء الثلاثة “تكالة وصالح والمنفي” في 18 يونيو/حزيران الماضي، وتتضمن وثيقة مبادئ وتدعو لإجراء انتخابات رئاسية، وبرلمانية في موعد أقصاه 17 فبراير/شباط المقبل
هذه المبادرة أو الخطة تقوم على المقايضة السياسية والاقتصادية أي توحيد المؤسسات الاقتصادية والأمنية مقابل تقاسم السلطة، ثم إجراء الانتخابات، أي الإبقاء مؤقتا على مراكز القوة الحالية في الشرق والغرب، وعدم إقصاء أي طرف، وتوحيد المؤسسات السيادية مثل المصرف المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، والميزانية العامة، وزيادة إنتاج النفط، ودمج تدريجي للمؤسسات العسكرية عبر خطوات عملية وليس عبر حل المليشيات فورا، وبعد كل ذلك يتم الانتقال إلى انتخابات عامة عندما تصبح المؤسسات قادرة على إدارتها.
اقرأ أيضا: البحرين.. السجن 10 سنوات بحق ثلاثة متهمين لتأييدهم الأعمال الإرهابية الإيرانية
وبعبارة أخرى؛ فإن جوهر الخطة الأمريكية هو: لا تبدؤوا بالانتخابات، بل وحدوا الاقتصاد ثم الدولة، وفي النهاية تأتي الانتخابات. والهدف من الخطة الأمريكية منع انهيار إنتاج النفط وزيادة صادراته لأوروبا وتقليص النفوذ الروسي.
أما الاقتراح المصري فيختلف في سلم أولوياته مع المقترح الأمريكي، فالقاهرة ترى أن الأولوية لتوحيد المؤسسة العسكرية، وأنه لا يمكن إجراء انتخابات مستقرة قبل وجود جيش وأجهزة أمنية موحدة، ولذلك يمكن فهم حرص مصر على استضافة العديد من الاجتماعات في القاهرة لتوحيد الجيش الليبي.
وجهة نظر القاهرة أيضا هي أن الانتخابات يجب أن تكون نتيجة لتوافق وطني، وبالتالي فهي تتحفظ على استمرار انقسام الحكومتين وانتشار السلاح، وغياب دستور متفق عليه بين الجميع، ولذلك فهي تدعو إلى توافق سياسي وأمني أولا.
كما تطالب بخروج كل القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب.
إذن أمريكا ترى أن النفط هو ما يمكن أن يوحد ليبيا أولا، في حين ترى القاهرة أن الأمن والجيش الموحد أولا ثم السياسة والانتخابات.
مصدر دبلوماسي عربي بارز في القاهرة قال لي إن الخطة الأمريكية تتجاهل العديد من الحقائق على الأرض، فهي مثلا تتجاهل وجود الجنوب الليبي بالكامل، الذي يمكن أن ينسف أي خطط مقترحة، خصوصا في ظل الانفلات الأمني الكبير هناك، كما أن الخطة تتجاهل مدنا وقبائل مهمة، فمصراتة مثلا ترفض ما تسميه منطق تقاسم النفوذ، وتريد الدولة المدنية وليس العسكرية.
إضافة لكل ما سبق، هناك خطر سياسي كبير لتجاهل شخصيات سياسية مهمة مثل محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الحالي، ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة، وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وما يزيد الطين بلة أن المبعوثة الدولية “هانا تيتيه” لها طرح مختلف عن الطرح الأمريكي يقوم على فكرة “الحوار المهيكل” عبر مجموعة مختارة من السياسيين الليبيين تجمع معا، حتى تصل إلى توافق شامل.
وظني الشخصي المبني على مقابلات متنوعة مع العديد من خبراء الملف الليبي، أن القاهرة أكثر ميلا لتأييد خريطة الطريق التي اتفق عليها الرؤساء الثلاثة “تكالة وصالح والمنفي” في 18 يونيو/حزيران الماضي، وتتضمن وثيقة مبادئ وتدعو لإجراء انتخابات رئاسية، وبرلمانية في موعد أقصاه 17 فبراير/شباط المقبل.
الرؤساء الثلاثة يفترض أن يجتمعوا في باريس الثلاثاء المقبل برعاية فرنسية ودعم مصري وقطري وبريطاني؛ لبحث تفعيل خريطة الطريق، وقطع الطريق على خطة مسعد بولس الأمريكية.
هذه هي الصورة العامة في ليبيا وهناك مئات وربما آلاف التفاصيل، لكن المؤكد أن علاقات القاهرة وطرابلس قد غادرت مربع القطيعة إلى التقارب الهادئ والحذر. ما قد يقود إلى الرهان على انفراجة مهمة ليس فقط في علاقات البلدين بل في الأزمة الليبية نفسها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: “خط أحمر عند 200 متر”.. السيسي يوجه بإنهاء “احتكار الشواطئ” ومحاسبة مطوري العقارات المخالفين
