
عمان -لم يكن الأردن يومًا بلدًا مدللًا بالثروات الطبيعية، لكنه كان دائمًا بلدًا مدللًا برجاله ونسائه وشبابه. بلد صنع من شح موارده قدرة على البقاء، ومن صعوبة موقعه قوة على الصمود، ومن الإنسان ثروته الأولى والأغلى.
ومن هذا البلد خرج أطباء ومهندسون وعلماء وقادة أعمال ومبرمجون وباحثون ومبدعون، حملوا اسم الأردن إلى الجامعات والمؤسسات والأسواق في مختلف أنحاء العالم، وأثبتوا أن خلف هذا الاسم عقلًا قادرًا على المنافسة، وأن وراء هذه المساحة الصغيرة وطنًا أكبر بكثير من موارده الطبيعية. لهذا أكتب عن الأردن.
لا أكتب من موقع المتشائم الذي يرى فقط ما ينقصه، ولا من موقع المجامل الذي يكتفي بتعداد ما تحقق، وإنما من موقع إنسان يؤمن بأن الوطن الذي نحبه يجب أن نراه كما هو، وأن نمتلك في الوقت نفسه الشجاعة لنقول ما يمكن أن يكون عليه.
وأرى الأردن أكبر من واقعه الاقتصادي الراهن، وأوسع من فرصه الحالية، وأغنى من موارده الطبيعية؛ لأن الثروة التي لا تنضب فيه هي الإنسان.
الأردن لا يحتاج إلى معجزة حتى يتقدم. إنما يحتاج إلى أن يطلق ما لديه من طاقات، وأن يثق بقدرات أبنائه، وأن يجعل كفاءة مؤسساته على مستوى طموح قيادته، وأن ينتقل من مرحلة صياغة الرؤى إلى مرحلة التنفيذ الذي يقاس أثره المباشر في حياة الناس.
وهنا تحديدًا تكمن القضية الاقتصادية الأساسية: كيف يتحول ما يمتلكه الأردن من رأس مال بشري، واستقرار مؤسسي، وخبرات، وموقع جغرافي، وقدرات معرفية، إلى نمو مستدام وفرص عمل واستثمارات وشركات قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا؟
التحديث الاقتصادي يبدأ من تحويل الرؤية إلى نتيجة
لقد وضع جلالة الملك عبدالله الثاني التحديث الاقتصادي والإداري في صميم المشروع الوطني، انطلاقا من إدراك واضح بأن بناء الأردن الحديث لا يقوم على إدارة الواقع فحسب، وإنما على إعادة تشكيل قدرته على المنافسة والنمو.
ومن هنا جاء الدفع نحو اقتصاد أكثر تنافسية، وبيئة أكثر جاذبية للاستثمار، ومؤسسات أكثر كفاءة، وفرص أوسع أمام الشباب.
وفي امتداد هذه الرؤية يأتي حضور سمو ولي العهد الأمير الحسين ليعكس ملامح جيل جديد من القيادة، أكثر قربًا من تطلعات الشباب، وأكثر انفتاحًا على التكنولوجيا والابتكار واقتصاد المعرفة، وأكثر استعدادًا لاستشراف المستقبل باعتباره مساحة نصنعها، لا مجرد مرحلة ننتظرها.
ولا يكتمل الحديث عن الإنسان الأردني ودوره في صناعة المستقبل دون الوقوف عند حضور جلالة الملكة رانيا العبدالله، بوصفها نموذجًا رفيعًا للمرأة الأردنية التي جمعت بين الرؤية والريادة والعطاء، وحملت صوت المرأة الأردنية إلى أرفع المحافل الدولية بحضور يليق بمكانة الأردن.
فقد أسهمت في إبراز قضايا المرأة والتعليم والتمكين والتنمية، وقدمت صورة للمرأة الأردنية تحمل قيمة وطنية وإنسانية تعكس ما تمتلكه المرأة من وعي وكفاءة وقدرة على العطاء، وتؤكد أن الريادة حين تقترن بالمعرفة والمسؤولية تصبح قوة ناعمة ترفع اسم الأردن وتفتح أمام أبنائه وبناته آفاقًا أوسع للنماء والتأثير.
هذه الإرادة السياسية مهمة؛ لأنها تحدد الاتجاه وتمنح الدولة مشروعًا واضحًا للمستقبل. لكن بين الرؤية والنتيجة مساحة لا تستطيع القيادة السياسية أن تقطعها وحدها.
هناك جهاز تنفيذي كامل يفترض أن يحول الرؤية إلى قرار، والقرار إلى برنامج، والبرنامج إلى نتيجة، والنتيجة إلى أثر يلمسه المواطن. وهنا تبدأ مسؤولية الإدارة.
الإستراتيجية مهما بلغت دقتها لا تستطيع وحدها أن تختصر دورة الإجراءات، ولا أن تسرع الترخيص، ولا أن تنشئ سوقًا لشركة ناشئة، ولا أن تمنع مستثمرًا من الانتقال إلى بيئة أخرى عندما يجد أن الزمن الذي يحتاجه لإطلاق مشروعه أطول من الزمن الذي يستطيع فيه منافسوه بناء مشاريعهم.
في الاقتصاد الجديد، الوقت ليس مجرد عنصر إداري؛ إنه أصل اقتصادي. فالفرصة التي تتأخر قد لا تعود، والفكرة التي تبقى سنوات في الأدراج قد تفقد قيمتها، والكفاءة التي لا تجد مجالًا لتعمل قد تجد بيئة أخرى تستثمرها، والاستثمار الذي يصطدم بتعقيد غير ضروري لا ينتظر طويلًا؛ لأن رأس المال بطبيعته يبحث عن الوضوح والسرعة والقدرة على التنبؤ.
ولهذا فإن بطء الإدارة لا يبقى داخل حدود المؤسسة، بل يتحول في النهاية إلى تكلفة على الاقتصاد الوطني كله.
فكل إجراء إضافي غير ضروري، وكل تأخير في الترخيص، وكل قرار يتأخر دون مبرر، وكل مشروع لا يجد طريقه من الفكرة إلى التنفيذ، يمثل تكلفة اقتصادية مباشرة أو غير مباشرة.
ومن هنا فإن الإصلاح الإداري ليس مجرد إعادة هيكلة للمؤسسات، ولا تغييرًا في المسميات، وإنما هو جزء أصيل من السياسة الاقتصادية، لأن قدرة الدولة على اتخاذ القرار وتنفيذه بسرعة وكفاءة تؤثر مباشرة في قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمار، وتوسيع الأعمال، وخلق الوظائف.
فقد سجل الاقتصاد الأردني نموًا حقيقيًا بنسبة 2.9 % خلال عام 2025، مقابل
2.6 % في عام 2024، وفق بيانات البنك الدولي، بينما ظل معدل البطالة بين الأردنيين مرتفعًا عند 21.4 % في الربع الثالث من عام 2025، وبلغ بين الأردنيات 33.9 % وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة.
هذه الأرقام لا تنتقص من أهمية النمو، ولا تنكر ما تحقق من استقرار اقتصادي ونقدي، لكنها تقول شيئًا بالغ الأهمية: التحدي المقبل ليس فقط في تحقيق النمو، وإنما في تحويله إلى فرص عمل منتجة، واستثمارات جديدة، وشركات تنمو، ودخول أفضل، ومشاركة اقتصادية أوسع.
وهنا تحديدًا يجب أن ننتقل من الحديث عن الاقتصاد باعتباره مجموعة من المؤشرات إلى النظر إليه باعتباره حياة الناس.
لذلك لا يمكن أن يكون الاستثمار في الإنسان الأردني شعارًا موسميًا.
الشاب الذي يتعلم الذكاء الاصطناعي ليس مجرد باحث عن مهارة؛ قد يكون مؤسس شركة تنافس إقليميًا.
والمهندس الذي يطور حلًا في المياه أو الطاقة لا يحمل شهادة فقط؛ قد يحمل نواة صناعة.
والطبيب الذي يعود بخبرة دولية ليس موظفًا إضافيًا؛ بل قناة لنقل معرفة وتجربة إلى مؤسسة كاملة.
والباحث الذي يطور ابتكارًا قابلًا للتطبيق لا يحتاج إلى التصفيق بقدر ما يحتاج إلى منظومة تنقله من المختبر إلى السوق.
وهنا تحديدًا يجب أن تتغير طريقة تفكيرنا في التنمية.
اقرأ أيضا: ترامب: أمامنا 3 خيارات للتعامل مع إيران
