وصل نيكلاس بيندتنر إلى مصاف أساطير كرة القدم، لكن ليس بسبب إنجازاته داخل المستطيل الأخضر. فمسيرة المهاجم الدنماركي السابق تحولت إلى خليط غريب من الموهبة والمشكلات والمواقف المثيرة للجدل، حتى أصبح اسمه أكثر ارتباطًا بشخصيته المثيرة للجدل من إنجازاته الرياضية.
اقرأ أيضا: خاص | مايكل أوين: رحيل كيليان مبابي شرط لنجاح إرلينج هالاند في ريال مدريد
حكاية «اللورد»، الذي امتلك ثقة هائلة بقدراته، ودخل في مشاجرات مع زملائه، وأنفق ملايين الجنيهات على المقامرة، وارتبط بعائلة أرستقراطية دنماركية، قبل أن ينهي مسيرته الاحترافية مبكرًا، تاركًا خلفه إرثًا غريبًا لا يشبه مسيرة معظم نجوم كرة القدم.
إذا أردنا تلخيص حياة وشخصية بيندتنر في قصة واحدة، فربما تكون الحكاية التي تعود إلى أيامه الأولى مع أرسنال هي الأنسب.
ثقة بالنفس تتجاوز كل الحدود
عندما كان بيندتنر موهبة صاعدة في أرسنال، استعان المدرب الفرنسي أرسين فينجر بعالم النفس جاك كريفوازيه، الذي كان يجري اختبارات نفسية سنوية على لاعبي الفريق من أجل التعرف بشكل أكبر على سماتهم الشخصية.
وفي أحد الاختبارات، كان هناك معيار يسمى «الوعي الذاتي بالقدرات»، ويقيس مدى تقييم اللاعب لقدراته وإمكاناته.
ويروي كريفوازيه أن النتائج كانت صادمة عندما وصل الدور إلى بيندتنر. وقال لاحقًا: «كان المقياس يتراوح من واحد إلى تسعة، لكن بيندتنر حصل على عشرة. لم نرَ شيئًا كهذا من قبل».
وكان بات رايس، مساعد فينجر، يجلس إلى جوار كريفوازيه أثناء خضوع بيندتنر للاختبار، ولم يتمالك نفسه من الضحك.
وأوضح كريفوازيه أن بيندتنر كان يمتلك طريقة خاصة في التعامل مع الإخفاق، قائلًا: «عندما يُضيع بيندتنر فرصة للتسجيل، يكون مقتنعًا تمامًا بأن ذلك لم يكن خطأه».
وقد يرى البعض أن هذه مشكلة حقيقية، لكن كريفوازيه كان يرى جانبًا إيجابيًا في الأمر أيضًا، إذ اعتبر أن هذه الشخصية قد تكون دليلًا على قدرة اللاعب الكبيرة على التعافي سريعًا من النكسات.
وهكذا كان عالم نيكلاس بيندتنر؛ ثقة استثنائية بالنفس، وطموح لا يعرف الحدود، وفجوة كبيرة في بعض الأحيان بين الصورة التي رسمها اللاعب لنفسه وما كان يقدمه فعليًا على أرض الملعب.
إنه الرجل الذي وصف نفسه ذات مرة بأنه «أحد أفضل المهاجمين في العالم»، ونشر صورة له مع جائزة الكرة الذهبية، قبل أن يتضح أن الجائزة لم تكن حقيقية، والرجل الذي ارتبط في سن الحادية والعشرين بامرأة تكبره بثلاثة عشر عامًا وتنتمي إلى عائلة أرستقراطية دنماركية، ليصبح معروفًا بلقب «اللورد».
وهو أيضًا اللاعب الذي تشاجر مع زملائه، وحطم السيارات، وخسر ثروة ضخمة في المقامرة، وارتدى سوارًا إلكترونيًا، وأنهى مسيرته الاحترافية في سن مبكرة، دون أن يحقق إنجازات رياضية تتناسب مع الضجة الكبيرة التي أحاطت باسمه.
لقد كانت شهرته في كثير من الأحيان أكبر من موهبته الكروية نفسها. أهلًا بكم في عالم نيكلاس بيندتنر.
Getty Images
بيندتنر في أرسنال.. خلاف مع هنري وشجار مع أديبايور
وُلد بيندتنر ونشأ في العاصمة الدنماركية كوبنهاجن، لكنه انتقل إلى أكاديمية أرسنال في لندن عندما كان يبلغ من العمر 17 عامًا، وذلك في عام 2005، في وقت كان فيه فريق أرسين فينجر واحدًا من أقوى أندية كرة القدم في العالم.
ولم يحتج اللاعب الشاب إلى وقت طويل قبل أن يحصل على فرصة للتدرب مع الفريق الأول، حيث أُتيحت له إمكانية استعراض قدراته أمام عدد من نجوم أرسنال الكبار.
ويروي بيندتنر تفاصيل إحدى تلك التجارب في كتابه «كلا الجانبين». كانت هناك قاعدة واضحة في المباراة التدريبية: لا يُسمح للاعب بلمس الكرة أكثر من مرتين.
لكن عندما لمس تيري هنري، أسطورة أرسنال، الكرة ثلاث مرات، احتج بيندتنر على الأمر فورًا، بحسب روايته.
لم يتدخل بات رايس لحل المشكلة، فقرر بيندتنر أن يكرر الأمر بنفسه، ولمس الكرة ثلاث مرات، ليحتسب الحكم ركلة حرة ضده.
وبدلًا من التراجع، صعّد المهاجم الشاب اعتراضه على ما اعتبره ظلمًا واضحًا، وانتهى الأمر بمشادة كلامية حادة بينه وبين هنري.
ربما لم يكن يعلم وقتها أنه كان يواجه أحد أكبر نجوم أرسنال في تاريخ النادي، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط: أنه لا يخشى التعبير عن رأيه، حتى أمام أساطير الفريق.
وبعد فترة إعارة ناجحة إلى برمنجهام سيتي في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي، عاد بيندتنر إلى أرسنال وانضم بشكل دائم إلى الفريق الأول عام 2007، عندما كان في التاسعة عشرة من عمره.
كان المهاجم الدنماركي يتمتع ببنية جسدية قوية، إذ يبلغ طوله 193 سنتيمترًا، كما امتلك قدرات جيدة في ألعاب الهواء والضربات الرأسية، وهو ما جعل البعض يرى فيه مشروع مهاجم كبير.
لكن ظهوره الأول مع أرسنال ارتبط بطريقة غريبة، إذ سجل أول أهدافه مع الفريق وتلقى أول بطاقة حمراء له خلال المباراة نفسها، في ديربي شمال لندن أمام توتنهام.
وكان الطرف الآخر في الواقعة زميله إيمانويل أديبايور. دخل اللاعبان في مشادة انتهت بنطح أديبايور لبيندتنر، الذي قال لاحقًا: «تدفق الدم بغزارة وتورم أنفي».
ولم تتضح تمامًا الأسباب التي أدت إلى وصول الأمور بينهما إلى هذه المرحلة، لكن المؤكد أن العلاقة بين الثنائي لم تكن مثالية.
ورغم مشاركة بيندتنر بصورة منتظمة مع أرسنال خلال السنوات التالية، فإنه لم يتمكن من فرض نفسه مهاجمًا أساسيًا بصورة مستمرة، كما لم يتحول إلى الهداف الموثوق الذي كان النادي ينتظره.
ومع ذلك، لم تهتز ثقته بنفسه. وقال بيندتنر في إحدى المرات: «إذا سألتموني إن كنت أحد أفضل المهاجمين في العالم، فسأجيب بنعم، لأنني مقتنع بذلك»، وعندما سُئل عما ينقصه حتى يصبح كذلك، كانت إجابته لافتة: «الأهداف هي الشيء الوحيد الذي ما زلت أفتقده».
Getty Images
كيف أصبح نيكلاس بيندتنر «لوردًا»؟
لم تكن كرة القدم وحدها مصدر القصص المثيرة في حياة بيندتنر. ففي عام 2009، عندما كان يبلغ من العمر 21 عامًا، بدأ علاقة مع كارولين فليمنج، التي تكبره بثلاثة عشر عامًا، وهي عارضة أزياء ومقدمة برامج تنحدر من عائلة أرستقراطية دنماركية شديدة الثراء.
وكانت فليمنج من سلالة البطل البحري الدنماركي نيلز جويل، كما كانت تمتلك قلعة ظهرت في أحد برامج تلفزيون الواقع، حيث التقت باللاعب الشاب. وأثمرت العلاقة عن ولادة ابن، لكنها منحت بيندتنر أيضًا لقبًا سيظل ملازمًا له طوال حياته: «اللورد».
لكن قصص بيندتنر خارج الملعب لم تتوقف عند علاقاته العاطفية. في عام 2010، تعرض لحادث بسيارته أستون مارتن، لكنه، بحسب الرواية المتداولة عن الواقعة، لم يكتفِ بالنظر إلى حجم الأضرار التي لحقت بالسيارة.
ترك السيارة في مكانها، وخلع ملابسه، ثم تفقد جسده باستخدام مرآة الرؤية الخلفية، قبل أن يقتلع المرآة بنفسه، ليتأكد من عدم تعرضه لإصابات. ولم تكن تلك المرة الوحيدة التي ارتبط فيها اسم بيندتنر بالظهور الغريب.
فقد التُقطت له صورة وهو يغادر ملهى ليليًا في مانشستر وسرواله منزوع، كما نشر في وقت لاحق صورة على مواقع التواصل الاجتماعي ظهر فيها مرتديًا حمالة صدر تغطي عورته.
Getty Images
ملايين في كرة القدم.. وملايين ضائعة في المقامرة
كسب بيندتنر أموالًا طائلة خلال مسيرته، لكنه لم يكن معروفًا بحسن إدارة ثروته. أنفق اللاعب مبالغ ضخمة على أسلوب حياته، ودفع في إحدى المرات نحو 150 ألف جنيه إسترليني مقابل صندوق من النبيذ.
لكن الخسارة الأكبر جاءت من المقامرة. واعترف بيندتنر بعد اعتزاله بأنه خسر ما يقرب من سبعة ملايين يورو في الكازينوهات. وحاول تفسير ولعه بالمقامرة بالحديث عن الشعور الذي كان يبحث عنه بعد ابتعاده عن كرة القدم.
وقال: «بمجرد أن تعتاد على اندفاع الأدرينالين في كرة القدم، يصبح من الصعب العثور عليه في مكان آخر. وهذا أيضًا أحد أسباب لعبك لكرة القدم؛ أن تشعر بهذا الإحساس. لكنك لا تحصل عليه إلا عندما تكون المخاطر عالية جدًا».
ولم تقتصر خسائر بيندتنر على الكازينوهات، بل دفع أيضًا مبالغ كبيرة نتيجة مخالفاته. فخلال بطولة كأس الأمم الأوروبية 2012، سجل بيندتنر هدفًا للدنمارك أمام البرتغال، ثم كشف عن ملابسه الداخلية احتفالًا بالهدف.
لكن الملابس الداخلية كانت تحمل اسم الراعي الشخصي للاعب، وهي شركة مراهنات. واعتبر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» الأمر مخالفة للوائح التسويق، فأوقف بيندتنر مباراة واحدة وفرض عليه غرامة مالية بلغت 100 ألف يورو. كما تلقى غرامة مماثلة بعد واقعة قيادة سيارة تحت تأثير الكحول في كوبنهاجن.
Getty Images
من يوفنتوس إلى فولفسبورج.. فرصة جديدة انتهت بكارثة
في موسم 2012-2013، انتقل بيندتنر إلى يوفنتوس على سبيل الإعارة لمدة موسم كامل، لكنه لم يقدم المستوى المنتظر منه، رغم تتويجه مع النادي بلقب الدوري الإيطالي.
اقرأ أيضا: 9 تغييرات.. ريال مدريد يعلن أرقام قمصان لاعبيه للموسم الجديد
عاد بعد ذلك إلى أرسنال، لكنه قضى عامًا آخر في الغالب على مقاعد البدلاء، قبل أن يغادر النادي نهائيًا وينضم إلى فولفسبورغ في صفقة انتقال حر عام 2014.
كان المدرب ديتر هيكينج مستعدًا لمنحه فرصة جديدة، وقال في ذلك الوقت: «الجميع يستحق فرصة لبداية جديدة». لكن بيندتنر لم يستغل الفرصة بالطريقة التي كان يتمناها النادي.
وفي فولفسبورج، ارتدى القميص رقم 3، وهو رقم غير مألوف تمامًا لمهاجم، وسجل ثلاثة أهداف فقط في الدوري الألماني خلال عام ونصف تقريبًا. أما خارج الملعب، فقد تسبب في مشكلات جديدة.
كان فولفسبورج مملوكًا لشركة فولكس فاجن، ولذلك كان ظهور لاعبي الفريق في سيارات من علامات منافسة، مثل مرسيدس، أمرًا غير مقبول بالنسبة للنادي. ومع ذلك، ظهر بيندتنر علنًا مع سيارته المرسيدس.
وفي إحدى الليالي، عاش بيندتنر وزملاؤه ليلة لا تُنسى، لكنها كشفت مرة أخرى عن أسلوب حياته المثير للجدل. قال زميله السابق ماكسيميليان أرنولد لصحيفة «بيلد» إن بيندتنر طلب زجاجات شمبانيا وبدأ في رشها في كل مكان.
وعندما حان وقت دفع الحساب، حاول بيندتنر استخدام بطاقته المصرفية، لكن الدفع بالبطاقة لم يكن متاحًا في النادي. لم يكن بحوزته ما يكفي من المال نقدًا، لذلك اضطر إلى الاتصال بزميله مارسيل شافر في الثالثة أو الرابعة صباحًا، حتى يحضر له المال لتسديد الحساب.
وفي أبريل 2016، قرر فولفسبورج فسخ عقد بيندتنر قبل موعده. وكان المدير الرياضي كلاوس ألوفس قد وصف اللاعب بأنه «خطر على فريقنا».
IMAGO
«الكرة الذهبية».. حين صنع بيندتنر أسطورته بنفسه
في تلك المرحلة، كانت العلاقة بين إنجازات بيندتنر الرياضية ومغامراته خارج الملعب قد خرجت عن السيطرة تمامًا. وبدلًا من التركيز على تطوير مسيرته الكروية، بدا أن اللاعب كان يستمتع أكثر ببناء شخصية «اللورد بيندتنر».
وفي عام 2015، نشر صورة مركبة له على حسابه في إنستجرام يظهر فيها إلى جانب جائزة الكرة الذهبية. لم تكن الصورة إعلانًا عن فوزه بالجائزة، وإنما كانت جزءًا من شخصيته الساخرة والمثيرة للجدل.
وبعد فترة قصيرة، استخدم الصورة نفسها في حملة ساخرة أعلن خلالها ترشحه لمنصب رئيس وزراء الدنمارك. أما لقب «اللورد»، فقد وجد بيندتنر طريقة للحفاظ عليه حتى بعد انتهاء علاقته بكارولين فليمنج.
وبعد انفصالهما، قامت صحيفة دنماركية شعبية تُدعى «سي أوغجهور»، على سبيل المزاح، بشراء قطعة أرض صغيرة له في اسكتلندا، حتى يتمكن من الاستمرار في استخدام لقب «اللورد» بصورة رسمية. وهكذا تحول اللقب من مجرد نتيجة لعلاقة عاطفية إلى جزء أساسي من هوية اللاعب العامة.
IMAGO
سوار إلكتروني ونهاية مبكرة لمسيرة «اللورد»
بعد مغادرة فولفسبورج، تنقل بيندتنر بين عدة أندية، حيث لعب مع نوتنجهام فورست، ثم روزنبورج تروندهايم، قبل أن يعود إلى نادي طفولته إف سي كوبنهاجن.
لكن مشكلاته خارج الملعب لم تتوقف. وفي عام 2019، وبعد واقعة اعتداء على سائق سيارة أجرة، أُجبر بيندتنر مؤقتًا على ارتداء سوار إلكتروني في كاحله.
وفي يناير 2020، وعندما كان يبلغ من العمر 31 عامًا فقط، أعلن اعتزاله كرة القدم الاحترافية. وهكذا انتهت مسيرة لاعب كان يمتلك من المقومات البدنية والفنية ما يؤهله لتحقيق مسيرة أفضل بكثير، لكنه لم يتمكن من استثمار موهبته بالشكل الأمثل.
ربما لم يستغل بيندتنر، بسبب مغامراته العديدة ومشكلاته خارج الملعب، موهبته الكروية بالشكل الذي كان يمكن أن يفعله، لكن ذلك لم يؤثر سلبًا في شهرته، بل ربما حدث العكس تمامًا.
فاليوم، أصبح بيندتنر محللًا رياضيًا تلفزيونيًا، وشخصية إعلانية بارزة، وضيفًا دائمًا على البرامج الحوارية وبرامج الواقع في الدنمارك.
لم يفز بدوري أبطال أوروبا، ولم يصبح هدافًا تاريخيًا لأرسنال، ولم يقترب فعليًا من الفوز بالكرة الذهبية. لكنه نجح في شيء آخر ربما لم يكن مخططًا له في البداية: صنع لنفسه شخصية لا تُنسى.
فإذا كان عالم كرة القدم يضم «القيصر» فرانز بيكنباور، و«الملك» إريك كانتونا، و«الملك» بيليه، فإن نيكلاس بيندتنر استطاع أن يجد لنفسه مكانًا في هذه القائمة، ولو من زاوية مختلفة تمامًا.
إنه «اللورد» الذي لم يصنع مجده بالألقاب، بل بالمواقف والجدل والقصص التي جعلت اسمه خالدًا في ذاكرة جماهير كرة القدم. وربما لهذا السبب تحديدًا، يظل نيكلاس بيندتنر واحدًا من أكثر الشخصيات غرابة وإثارة في تاريخ كرة القدم الحديثة.
لم يكن أفضل مهاجم في العالم كما اعتقد هو نفسه، ولم يفز بالكرة الذهبية، ولم يحقق مسيرة توازي موهبته. لكن شيئًا واحدًا لا يمكن إنكاره: “لقد أصبح نيكلاس بيندتنر أسطورة بطريقته الخاصة”.
